فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أومن شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه".
وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع؛ فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يَقْضِي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار".
حقوق الآدميين
حقوق الآدميين ثلاثة أنواع، هي:
1.قصاص وجنايات.
2.حقوق مالية.
3.حقوق غير مالية، بأن ينتقص المرء في عرضه، أوماله، أوبدنه، أوأهله، بغيبة أونميمة أوبهتان ونحو ذلك.
أولًا: القصاص والجنايات
أجمع أهل العلم أن أمور القصاص والجنايات هي وقف على الحكام، فلا يحل لأحد أن يقتص من أحد بنفسه، لما في ذلك من المفاسد العظيمة، والأخطار الجسيمة، نحو إثارة النعرات والثارات، أويعفو"فمن عفا وأصلح فأجره على الله".
ثانيًا: الحقوق المالية
فللمرء كذلك أن يعفو عن المعتدين الظالمين، وهذا أفضل، أويرفع أمره إلى ولاة الأمر إذا كان عنده من الشهود والبينات ما يثبت بها هذه الحقوق.
إن لم يكن له شيء من الشهود والبينات
أما إن لم يكن للمظلوم المعتدى عليه شيء من البينات والشهود، ثم وجد فرصته في مال وحق من ظلمه، هل يأخذ حقه منه من غير علمه ورضاه أم لا؟
أ. إن ظفر بعين ماله
قولان لأهل العلم هما:
الأول: له ذلك
وإلى هذا ذهب طائفة من أهل العلم، منهم:
1.ابن سيرين.
2.إبراهيم النخعي.
3.سفيان الثوري.
4.مجاهد.
5.الإمام الشافعي.
6.ورواية في مذهب مالك حكاها عنه الداودي.
7.أبو بكر بن المنذر الفقيه الشافعي.
8.وأبو بكر بن العربي الفقيه المالكي.
9.القرطبي المفسر.
واستدل هذا الفريق بالآتي:
1.قوله تعالى:"وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به".
2.وقوله تعالى:"والحرمات قصاص".
3.وقوله تعالى:"فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم".
4.وبقوله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت له في البيعة: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف"، وهو في الصحيح.
5.وبقوله صلى الله عليه وسلم:"انصر أخاك ظالمًا أومظلومًا"، وأخذ الحق من الظالم نصر له.
الثاني: ليس له ذلك
وهذا مذهب:
1.أبي حنيفة.
2.وعطاء الخرساني.
3.ومالك في المشهور عنه
ومن وافقهم.
واستدل هذا الفريق بالآتي:
1.قوله تعالى:"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها".
2.وقوله صلى الله عليه وسلم:"أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"، الحديث.
3.سدًا للذرائع لأن مثل هذا التصرف قد يؤدي إلى مفاسد عظمى.
قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى:"والحرمات قصاص": (والقصاص المساواة، أي اقتصصت لكم منهم إذ صدوكم سنة ست فقضيتم العمرة سنة سبع، فـ"الحرمات قصاص"على هذا متصل بما قبله ومتعلق به، وقيل هو مقطوع منه، وهو ابتداء أمر كان في أول الإسلام: أن من انتهك حرمتك نلت منه مثل ما اعتدى عليك، ثم نسخ ذلك بالقتال، وقالت طائفة: ما تناولت الآية من التعدي بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم والجنايات ونحوها لم ينسخ، وجاز لمن تُعدي عليه في مال أوجرح أن يتعدى بمثل ما تُعدي به عليه إذا خفي له ذلك، وليس بينه وبين الله تعالى في ذلك شيء، قاله الشافعي وغيره، وهي رواية في مذهب مالك، وقالت طائفة من أصحاب مالك: ليس ذلك له، وأمور القصاص وقف على الحكام، والأموال يتناولها قوله صلى الله عليه وسلم:"أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك"، خرجه الدارقطني وغيره، فمن ائتمنه من خانه فلا يجوز له أن يخونه ويصل إلى حقه مما ائتمن عليه، وهو المشهور من المذهب، وبه قال أبو حنيفة تمسكًا بهذا الحديث، وقوله تعالى:"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"، وهو قول عطاء الخرساني، قال قدامة ابن الهيثم: سألتُ عطاء بن ميسرة الخرساني فقلت له: لي على رجل حق، وقد جحدني به، وقد أعيا عليَّ البينة، أفأقتص من ماله؟ قال: أرأيت لو وقع بجاريتك، فعلمت، ما كنت صانعًا؟
قلت: والصحيح جواز ذلك كيفما توصل إلى أخذ حقه ما لم يعد سارقًا، وهو مذهب الشافعي، وحكاه الداودي عن مالك، وقال به ابن المنذر، واختاره ابن العربي، وأن ذلك ليس خيانة، وإنما هو وصول إلى حق، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"انصر أخاك ظالمًا أومظلومًا"، وأخذ الحق من الظالم نصر له.