والقيام إيمانًا واحتسابًا كغيره من العبادات له شرطان، هما:
1.الصدق والإخلاص.
2.وموافقة السنة.
فإذا فقدت العبادة هذين الشرطين أوأحدهما فسدت، وإن اختل شرط منهما اختلت العبادة بقدر اختلاله.
كثير من الناس لا يؤدون صلاة القيام، والقليل الذي يؤدي هذه الصلاة يخل بها، ويرجع ذلك لأسباب هي:
1.ضعف الهمم والعزائم.
2.الجهل بهديه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه في القيام.
3.استجابة كثير من الأئمة لرغبات المصلين في تخفيف الصلاة تخفيفًا مخلًا ومضيعًا لغرض القيام، فبعض الأئمة يكتفي بقراءة آية واحدة تتكون من كلمة نحو"مدهامتان"في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية المداومة على سورة الإخلاص، ومنهم من يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بآيتين وفي الثانية بآية واحدة، ومنهم من يقرأ بعد الفاتحة في الركعات الأول من القيام بالتكاثر إلى الكافرون، وفي الثواني بالإخلاص.
بحيث أن القيام لا يزيد في كثير من الأحيان عن ربع ساعة، ولا زلت أذكر أنَّ أحد المصلين سُبق بركعة، فلم يستطع إدراك الإمام بعد إلى نهاية الصلاة من سرعة قيامه وخفة ركوعه وسجوده، وفي ذلك خلل عظيم، وضياع لخير كثير.
فالأفضل للمرء أن يصلي ركعتين أوأربعًا فيهن شيء من الطمأنينة والخشوع وينصرف بدلًا من ذلك.
وهدي الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته والسلف الصالح في القيام يتمثل في جانبين:
الأول: عدد ركعات القيام.
والثاني: مقدار القراءة فيها.
الأول: عدد ركعات القيام
ذهب أهل العلم في ذلك مذاهب هي:
1.ثماني ركعات غير الشفع والوتر، وهو أفضلها على الإطلاق لفعله صلى الله عليه وسلم، ولقول عائشة رضي الله عنها:"ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إحدى عشرة ركعة في رمضان، ولا في غيره، يصلي أربعًا لا تسأل عن حسنهن وطولهن"أوكما قال الحديث، تعني مثنى مثنى.
2.عشر ركعات سوى الشفع والوتر، وهذا مشهور مذهب مالك ورواية عن أحمد، وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يوتر بعشر، وكذلك صح عن عمر رضي الله عنه أنه كان يأمر بذلك.
3.عشرون ركعة غير الشفع والوتر، وهذا مذهب عمر وجمهور الأئمة، أبي حنيفة، والشافعي، ورواية عن أحمد.
4.ست وثلاثون ركعة غير الشفع والوتر، وهذا مذهب مالك، إذ كان عمل أهل المدينة في وقته.
5.أربعون ركعة، وهذا مذهب الأسود بن يزيد، وكان يوتر بسبع.
والأمر فيه سعة، وبأي هذه الأعداد أقام أجزأه إن شاء الله، على أن أفضل الجميع الثمانية، وتليها العشرة في الفضل، ولا ينبغي لأحد أن يحرِّج على أحد في ذلك.
وينبغي أن يكون هناك تناسب بين عدد الركعات ومقدار القراءة، فإذا قل عدد الركعات زيد في مقدار القراءة، وإذ زيد في عدد الركعات نقص في مقدار القراءة، كما قال الشافعي رحمه الله.
ثانيًا: مقدار القراءة في القيام
أ. هدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك
كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، وقد صلى معه حذيفة ليلة في رمضان قال:"فقرأ بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل، قال: فما صلى ركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة".
وعند النسائي:"إلا أربع ركعات".
وقد روي عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بهم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، فقالوا: لو نفلتنا بقية ليلتنا؟ فقال:"إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كُتب من المقنطرين".
ب. هدي الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك
كان عمر رضي الله عنه قد أمر أبيَّ بن كعب وتميم الداري رضي الله عنهما أن يقوما بالناس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة، حتى كانوا يعتمدون على العصيِّ من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر.
وفي رواية: أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها.
وروي أن عمر رضي الله عنه جمع ثلاثة قراء، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ بالناس ثلاثين، وأوسطهم بخمس وعشرين، وأبطأهم بعشرين.
ج. هدي التابعين رحمهم الله في ذلك
كان الناس في زمن التابعين يقرأون بالبقرة في قيام رمضان في ثمان ركعات أوما يعادلها، فإن قرأ بها في اثنتي عشرة ركعة رأوا أنه قد خفف.
د. أقوال الأئمة وهديهم في ذلك
1.كره مالك أن يقرأ دون عشر آيات في الركعة الواحدة.
2.وقال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهويه: كم يقرأ في قيام شهر رمضان؟ فلم يرخص في دون عشر آيات؛ فقيل له: إنهم لا يرضون؛ فقال: لا رضوا، فلا تأمهم إذا لم يرضوا بعشر آيات من البقرة، ثم إذا صرت إلى الآيات الخفاف فبقدر عشر آيات من البقرة، يعني في كل ركعة.
3.أكثر الأئمة تخفيفًا في القراءة أحمد رحمه الله.