ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال:"لا يصلين أحدُكم العصر إلا في بني قريظة"، كان يعني شيئًا واحدًا، وهو أن لا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة، ولكن عندما اجتهد البعض في أمر قد انقضى لم يثرب عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أنه لم يثرب على عمار بن ياسر عندما تمرغ بالتراب قبل أن يعلم بكيفية التيمم، ولم يأمره بإعادة تلك الصلاة.
وهذا من أفسد التعليلات، أن تقسم الأمة الإسلامية هذا التقسيم الجائر الظالم بسبب حادثة عين، وأن يذم وينتقص الملتزمون بالنصوص الشرعية، ويمدح المتفلتون الرادون لحكمه صلى الله عليه وسلم المتوعدون بقوله عز وجل:"فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، وكما قيل: رمتني بدائها وانسلت.
5.المصلحة
من التبريرات التي زينها الشيطان لبعض أوليائه لرد النصوص الصحيحة الصريحة ما يعرف بـ"المصلحة"، التي تقدر بحسب الهوى، مستدلين على ذلك بكلمة حق أرادوا بها باطلًا، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"لا ضرر ولا ضرار"، وأول من ابتدع ذلك وتلقفها منه الناعقون رجل نكرة مهجور يدعى الطوفي، كان حنبليًا في الظاهر رافضيًا محترقًا في الباطن، قال عنه ابن رجب الحنبلي رحمه الله في ذيل طبقات الحنابلة:(وكان مع ذلك كله شيعيًا منحرفًا في الاعتقاد عن السنة، حتى أنه قال في نفسه:
حنبلي رافضي أشعري؟ هذه إحد العبر).
وخلاصة هذه الدعوى أن المصلحة أقوى مصادر التشريع، بل هي أقوى من النص والإجماع إذا عارضتها.
لقد خلف سلف الطوفي هذه الشبهة واستغلوها أسوأ استغلال في رد كثير من النصوص، والتشويش على العامة من المسلمين، وعلى رأس أولئك الشيخ محمد عبده وتلاميذه من بعده، وما علم هؤلاء أن المصلحة كل المصلحة في موافقة النصوص في العبادات والمعاملات على حد سواء.
6.رفع راية التجديد التخريبي
لقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعد أمته بأن الله يبعث ويهيئ لها في كل مائة عام من يجدد لها دينها ويردها إلى الحق:"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".
والتجديد المراد يتمثل في إحياء السنن التي أميتت، وإخماد البدع التي نبتت، وهذا هو الذي قام به مجددا القرن الأول والثاني: عمر بن عبد العزيز، والشافعي، ومن تلاهما من علماء أهل السنة.
أما التجديد البدعي التخريبي، وهو التلفيق بين ما جاء به الإسلام وما أفرزته الحضارة المادية الكافرة، وذلك برد كل ما يوقع هؤلاء في حرج مع الكفار، نحو إباحة الردة وإنكار حدها، والدعوة إلى توحيد الأديان السماوية، والتعايش السلمي بين أتباعها، وما شابه ذلك، ويقوم به تلاميذ المستشرقين من المنافقين والمتزيين بالدين.
7.الثابت والمتغير
من الدعاوي التي ترد بها بعض السنن دعوى الثابت، ويعنون به العبادات، والمتغير، ويعنون به كل شيء سوى العبادات من المعاملات وغيرها، هذا القسم في زعمهم قابل للأخذ والرد، وللتغيير والتبديل من حين لآخر، ويحكم كل ذلك الهوى.
لقد فاقت جرأة هؤلاء جرأة الذين يقسمون الدين إلى لباب وقشور، ويعنون بالقشور المظاهر الإسلامية، نحو إعفاء اللحى، والحجاب، والنهي عن الإسبال للرجل.
ويشمل هؤلاء وأولئك قول الله عز وجل:"أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ".
ورحم الله مالكًا عندما استفتاه البعض واستبطأ رده، فقال له: هذه مسألة يسيرة، فلم تتأنى فيها؟ فقال رادًا عليه: ليس في الدين أمر يسير، حيث قال الله لنبيه:"إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا".
وكل هذا من باب التحكم والجرأة على دين الله، ولا يقدم على ذلك إلا جاهل مغرور.
ألم يسمع هؤلاء تحذير الله للأمة في شخص رسولها:"وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا"، وبقوله صلى الله عليه وسلم:"الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"، وقد جاء في حديث جبريل:"هذا جبريل أتاكم ليعلكم دينكم"، ومما ورد فيه بعض أشراط الساعة الصغرى.
8.تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية
من التبريرات الشيطانية التي جادت بها قريحة بعض الأشقياء لرد ما لا تهواه أنفسهم من الأخبار تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، وليس هناك ميزان لذلك سوى الهوى، ومعلوم عند أهل الإسلام أن السنة غير التشريعية هي قاصرة على الأخبار، وليس لها تعلق بالأحكام لا من قريب ولا من بعيد.
فكل ماأقر عليه رسولنا ولم يُنسخ حتى مفارقته لهذه الحياة الدنيا فهو تشريع، منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، أوحرام، أومكروه، أوجائز.