وعن جبير بن حيّة قال:فندبنا عمر واستعمل علينا النعمان بن مُقرِّن حتى إذا كنا بأرض العدو وخرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفًا فقام ترجمان فقال: ليكلمني رجل منكم فقال المغيرة: سلْ عما شئت قال: ما أنتم قال: نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد نمصّ الجلد والثرى من الجوع ونلبس الوبر والشعر ونعبد الشجر والحجر فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب الأرضين _ تعالى ذكره وجلت عظمته _ إلينا نبيًا من أنفسنا نعرف أباه وأمه فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا أن من قُتِل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط ومن بقي منا ملك رقابكم"رواه البخاري [6] "
وفي حوادث غزوة القادسية"قصة ربعي بن عامر رضي الله عنه لما بعثه سعد ابن أبي وقاص إلى رستم فدخل ربعي عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة والزينة العظيمة وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة وقد جلس على سرير من ذهب ودخل ربعي بثياب صفيقة _ سخيفة رثة _ وسيف وترس وفرس قصيرة ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه فقالوا له: ضع سلاحك فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت فقال رستم: ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها فقالوا له: ما جاء بكم فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نقفي إلى موعود الله قالوا: وما موعود الله قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي ………"ذكرها ابن كثير [7] .
وهذا الهدف السامي الرئيسي موضع اتفاق بين علماء الإسلام .
قال الشافعي"فدل كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أن فرض الجهاد إنما هو على أن يقوم به من فيه كفاية للقيام به حتى يجتمع أمران: أحدهما أن يكون بإزاء العدو المخوف على المسلمين من يمنعه والآخر: أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية حتى يسلم أهل الأوثان أو يعطي أهل الكتاب الجزية" [8] ا.هـ وقال محمد بن الحسن"فرضية القتال المقصود منها: إعزاز الدين وقهر المشركين" [9] ا.هـ وقال ابن القيم"والمقصود من الجهاد إنما هو أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله … فإن من كون الدين لله إذلال الكفر وأهله وصغاره وضرب الجزية على رؤوس أهله والرق على رقابهم فهذا من دين الله ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عزهم وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة" [10] ا.هـ
وقال ابن عبد البر"يقاتل جميع أهل الكفر من أهل الكتاب وغيرهم من القبط والترك والحبشة والغزارية والصقالبة والبربر والمجوس وسائر الكفار من العرب والعجم يقاتلون حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" [11] ا.هـ
وإن هذا الهدف السامي المتضمن لإعلاء كلمة الله وهي الإسلام وإقامة سلطان الله في الأرض وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وإخلاء العالم من الفساد الأكبر الذي هو الشرك وما ينتج عنه وإزالة الطواغيت الذين يحولون بين الناس وبين الإسلام ويُعبِّدونهم لغير الله هو ما يجب أن يسعى إليه المجاهدون في كل مكان وزمان لا تأخذهم في الله لومة لائم .
ومن الأهداف التي تتبع لهذا الهدف الرئيسي:
1-رد اعتداء المعتدين على المسلمين {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } [12] .
وفي حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم … وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك … وأبعث جيشًا نبعث خمسة مثله وقاتل بمن أطاعك من عصاك …"رواه مسلم [13] ."
قال النووي"إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك معناه لأمتحنك بما يظهر منك من قيامك بما أمرتك به من تبليغ الرسالة وغير ذلك من الجهاد في الله حق جهاده …"ا.هـ
2-إزالة الفتنة عن الناس وسواء ما يمارسه الكفار من أشكال التعذيب والتضييق على المسلمين ليرتدوا عن دينهم أو الأوضاع والأنظمة الشركية وما ينتج عنها من فساد في شتى مجالات الحياة أو فتنة الكفار أنفسهم وصدهم عن استماع الحق وقبوله .
3-حماية الدولة الإسلامية من شر الكفار وحقيقتها حماية للعقيدة والمنهج وكلما امتد الإسلام إلى أرض وأزال عنها أنظمة الشرك صارت داخلة في الدولة الإسلامية .
4-قتل الكافرين وإبادتهم ومحقهم كما {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق … } [14] و {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } [15] .