فهرس الكتاب

الصفحة 1270 من 1363

فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله - أحمد بن حنبل - يسأل عن صوم السبت يفترد به؟ فيقول: جاء في ذلك حديث الصماء، يعني هذا الحديث المتقدم، ويقول: كان يحيى بن سعيد يتقيه.

قال: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صومه أن الأحاديث كلها مخالفة لهذا الحديث، مثل حديث أم سلمة حيث سئلت: أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر صيامًا لها؟ فقالت: السبت والأحد.

ومثل نهيه عن صوم الجمعة إلا يوم قبله أوبعده، ومثل كان يصوم شعبان، ونحو ذلك، ولا يقال: إن النهي عن إفراده، لأنه قال في الحديث:"لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم"، فالاستثناء منه يدل على دخول غير المستثنى، بخلاف الجمعة فإنه نهى عن إفراده.

ففهم الأثرم الرخصة في صومه، وذلك أن أحمد علل الحديث بأن يحيى كان يتقيه، وأما أكثر الأصحاب ففهموا من كلام أحمد الأخذ بالحديث، وحمله على الإفراد، وهؤلاء يكرهون إفراده عملًا بالحديث لجودة إسناده، ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة، فقال ابن عقيل: لأنه يوم يمسك فيه اليهود، ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل، والصائم في مظنة ترك العمل، فيصير صومه تشبهًا بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد؛ وعلله طائفة من الأصحاب: بأنه يوم عيد لأهل الكتاب، فقصده دون غيره فيه تعظيم لما عظمه أهل الكتاب، فكره ذلك كما كره إفراد عاشوراء وإفراد رجب لما عظمه المشركون، وهذه العلة تعارض بيوم الأحد، فإنه عيد النصارى، وقد يقال: إذا كان يوم عيد فمخالفتهم تكون بالصوم لا بالفطر، ويقوي ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم يوم السبت والأحد، ويقول:"هما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم"، رواه أحمد والنسائي وصححه بعض الحفاظ، وهو نص في استحباب صوم يوم عيدهم، وليس في ذلك حجة على من كره إفراده، لأنه إذا صام السبت والأحد زال الإفراد المكروه، وحصلت المخالفة للمشركين).

وقال الشيخ إبراهيم بن محمد سالم بن ضويان رحمه الله في منار السبيل شرح الدليل على مذهب أحمد: (وكره إفراد رجب بالصوم.. والجمعة والسبت بالصوم لحديث..) ، وذكر الحديثين في إفراد الجمعة والسبت بصيام.

ثم قال: (واختار الشيخ تقي الدين - ابن تيمية - أنه لا يكره صوم السبت مفردًا، وأن الحديث شاذ أومنسوخ) .

وقال الشيخ الألباني بعد أن خرج وصحح حديث عبد الله بن بُسر السابق في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل له:(ومما سبق يتبين لمن تتبع تحقيقنا هذا أن للحديث عن عبد الله بن بُسر ثلاث طرق صحيحة، لا يشك من وقف عليها على هذا التحرير الذي أوردنا أن الحديث ثابت صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن الإسراف في حقه والطعن بدون حق في رواته ما رووا بالإسناد الصحيح عن الزهري أنه سئل عنه؟ فقال:"ذاك حديث حمصي"!

وعلق عليه الطحاوي بقوله:"فلم يعده الزهري حديثًا يقال به، وضعفه"!

وأبعد منه عن الصواب، وأغرق في الإسراف ما نقلوه عن الإمام مالك أنه قال:"هذا كذب"!

وعزاه الحافظ في التلخيصلقول أبي داود في السنن عن مالك، ولم أره في"السنن"، فلعله في بعض النسخ4 أوالروايات منه، قال ابن الملقن في"خلاصة البدر المنير"بعد أن ذكر قول مالك هذا5:"قال النووي: لا يقبل هذا منه، وقد صححه الأئمة".

والذي في"السنن"عقب الحديث:"قال أبو داود: هذا حديث منسوخ".

إلى أن قال عن حديث كريب عن ابن عباس السابق: ولهذا قال ابن عبد الهادي في"تنقيح التحقيق"6 عقب حديث ابن عباس: وهذا لا يخالف أحاديث الانفراد بصوم يوم السبت، قال شيخنا -يعني ابن تيمية-: ليس في الحديث دليل على إفراد يوم السبت بالصوم، والله أعلم.

قلت - القائل الألباني: وهذا أولى مما نقله المصنف عن ابن تيمية.

واختار الشيخ تقي الدين أنه يكره صوم يوم السبت مفردًا، وأن الحديث شاذ أومنسوخ.

ذلك لأن الحديث صحيح من طرق ثلاثة، كما سبق تحريره، فأنى له الشذوذ؟) .

وقال الشيخ العثيمين رحمه الله في"فتاوى أركان الإسلام"7، وقد سئل إذا كان الإنسان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ووافق يوم صومه يوم الجمعة، فهل يجوز له صيامه أم لا؟: (الجواب: نعم، يجوز للإنسان إذا كان يصوم يومًا ويفطر يومًا أن يصوم الجمعة منفردًا، أوالسبت، أوالأحد، أوغيرها من الأيام، ما لم يصادف ذلك أيامًا يحرم صومها، فإن صادف أيامًا يحرم صومها وجب عليه ترك الصوم، فإذا قدِّر أن رجلًا كان يصوم يومًا ويفطر يومًا فصار فطره يوم الخميس ويوم صومه يوم الجمعة فلا حرج عليه أن يصوم يوم الجمعة حينئذ.. لأنه صادف اليوم الذي يصوم فيه) .

الخلاصة

أولًا: لا يكره إفراد يوم السبت بصيام إن وافق يومًا اعتاد المسلم صيامه، كيوم عرفة، وعاشوراء، ونحوهما.

ثانيًا: لا يكره صيام السبت إذا صام يومًا قبله أوبعده.

ثالثًا: لا يكره إفراد يوم السبت بصيام واجب، كقضاء، وكفارة، ونذر، ونحو ذلك.

رابعًا: يكره إفراد يوم السبت بصيام إذا نوى المسلم تعظيمه لأنه من أعياد اليهود، بل يحرم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت