فهرس الكتاب

الصفحة 1051 من 1363

وأحيانًا نقتبس أدعيتنا من القرآن الكريم أو من أدعية سيد البلغاء والأنبياء، ونفتح يد الضراعة أمام باب الرحمن الذي هو محرابنا الأبدي لنشرح ونشكو أحوالنا وما يجول في أعماق أرواحنا. ورعايةً منا لأدب المثول أمامه نغلق أفواهنا تماما وننتقل إلى مراقبة صامتة. وهذه الحال حسب بعضهم وبدرجة الصدق المصاحب لها أبلغ من كل كلام، وأفضل من كل بيان، وأحسن من كل تضرع. ولما كان الله تعالى على علم بكل أحوالنا، الظاهرة منها والخفية، فإن المهم هنا في الدعاء اللب والجوهر أكثر من الكلمات نفسها. والله تعالى يقول لرسوله الكريم صلى الله عليه و سلم:--وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي? (البقرة: 186) . إذن فهو من ناحية معرفة طلباتنا ورغباتنا أقرب إلينا منا. لذا فحسب هذه المعرفة بالحضور الإلهي وبالقرب الإلهي فإن الأدعية الصامتة هي عين الأدب مع ذلك المستوى المتميز من العباد. وسواء أكان هذا نابعا من مفهوم الغيب أو من مفهوم الحضور الإلهي فإن الله تعالى الذي يقول--وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ? (غافر: 60) يشوقنا إلى الدعاء. لذا يعد عدم الدعاء استغناء لا معنى له وانقطاعا وبعدا عن الله تعالى.

إن من يستطيع فتح يديه لله داعيا وضارعا من كل قلبه، ويتوجه له، يستطيع تجاوز البعد الموجود بينه وبين ربه -الذي هو أقرب إليه من حبل الوريد- والنابع من وضعه المادي والجسماني. وباحترامه لهذا القرب يستطيع الخلاص من وحشة بُعده عنه. ويشاء الله تعالى إسماعه ما يجب أن يسمع، ويريه ما يجب عليه أن يرى، وينطقه بما يجب عليه أن ينطق، ويوفقه لعمل ما يجب عليه أن يعمله. وهذه المرتبة من القرب مرتبة خاصة يمكن الوصول إليها عن طريق النوافل، حيث يرى ما وراء المُشاهَد، ويسمع ما وراء الأصوات، وتكون قابلياته الأخرى أيضا غير اعتيادية، وتتجاوز قدراته السابقة ليصبح في هبة واحدة إنسانا في بُعد آخر، وليرتفع إلى مستوى آخر، ويكون عبدا دائم التضرع لله، يتضرع إليه ويدعوه ويجد منه الاستجابة... يتمسك بالدعاء والتضرع كتعبير عن إيمانه بالقدرة غير المحدودة لربه، ويسند ظهره إلى قوته غير المحدودة، فلا تفتر شفتاه عن الدعاء في كل أمر من الأمور وإن بدا أبعد شيء عن التحقق.

ولهذا فإن الأرواح التي وصلت لمستوى تذوق لذة الإيمان وسمت بالعبادات، لا تقصّر أبدا في الدعاء. على العكس من هذا، فهي تدرك أن العبادات هي غاية الموجودات وسبب خلقها. لذا تعطي للدعاء أهمية قصوى. وبجانب قيام أصحاب هذه الأرواح برعاية الأسباب المادية والمعنوية، يسارعون إلى فتح يد الدعاء والتضرع لربهم من أعماق قلوبهم، ويرون أن الأدعية وسيلة تقربهم إلى خالقهم، وهي منبع آمالهم ورجائهم. وفي مثل هذا الجو من القرب يُحَسّ بجو من المهابة والقلق إلى جانب الشعور بالبهجة وتَوقُّع تحقيق الآمال. وعندما ينظر الإنسان إلى كل شيء من خلال تأمله في أزليته وأبديته سبحانه، يحس وكأنه يستمع إلى دقات قلبه المرتعش، وينتقل إلى حالة من اليقظة والتمكين. وهاتان الحالان اللتان تترافقان عادة عند الدعاء وتتداخلان ببعضهما تتسعان وتتطوران بنسبة طردية مع سعة أفق المعرفة الإلهية عند الإنسان. والقرآن يشير إلى حال المؤمن عند الدعاء وإلى حالته الروحية عندما يقول:--ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً? (الأعراف: 55) . وهذه الآية تشير إلى أن المؤمن لا يمكن أبدا أن يستغني عن الدعاء وعن الالتجاء إلى الله، وإلى أن الله تعالى بجانب عظمته وكبريائه وجبروته فلا يسد أبواب رحمته وعنايته، بل يذكّر الإنسان بأن أبواب رحمته مفتوحة للجميع على الدوام على مصاريعها، ويؤكد على أهمية الدعاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت