فهرس الكتاب

الصفحة 1005 من 1363

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وقد أشكل ذلك على بعض الناس، فقال: كيف تعمل العين من بُعد حتى يحصل الضرر على المعيون؟ والجواب أن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون، وقد نقل عن بعض من كان معنيًا أنه قال: إذا رأيتُ شيئًا يعجبني وجدتُ حرارة تخرج من عيني، ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد، وكذا تدخل البستان فتضر بكثير من الغروس من غير أن تمسها يدها، ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد، ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب هو، أشار إلى ذلك ابن بطال، وقال الخطابي: في الحديث أن للعين تأثيرًا في النفوس، وإبطال قول الطبائعيين أنه لا شيء إلا ما تدرك الحواس الخمس، وما عدا ذلك لا حقيقة له، وقال المازري: زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك، أويفسد، وهو كإصابة السم من نظر الأفعى، وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه، وأن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عن مقابلة شخص لآخر، وهل ثم جواهر خفية أولا؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه) .

كل عائن حاسد وليس كل حاسد عائنًا

ليس كل وصَّاف عائنًا، لكن الوصف الذي قد يضر ويؤثر في النفوس والأبدان وغيرها هو الوصف الصادر من نفس خبيثة وقلب حسود حقود، ولهذا قالوا: كل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائنًا؛ فالحسد أعم من العين والنظرة، ولهذا أمرنا بالاستعاذة من شر حاسد إذا حسد لأنها شاملة ومتضمنة للاستعاذة من العين.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله:(وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وهو أصل الإصابة بالعين، فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة، وتقابل المحسود، فتأثر بتلك الخاصية، وأشبه الأشياء بهذا الأفعى، فإن السم كامن فيها بالقوة، فإذا قابلت عدوها انبعث منها قوة غضبية، وتكيفت نفسُها بكيفية خبيثة مؤذية، فمنها ما تشتد كيفيتتها، وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين، ومنها ما يؤثر في طمس البصر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأبتر وذي الطُّفَيَّتين من الحيات:"إنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحَبَل"، ومنها ما تؤثر في الإنسان كيفيتها بمجرد الرؤية، من غير اتصال به، لشدة خبث تلك النفس وكيفيتها الخبيثة المؤثرة.

إلى أن قال:

فكل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائنًا، فلما كان الحاسد أعم من العائن، كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين، تصيبه تارة وتخطئه تارة) .

الأدلة على تأثير العين على المعيون

الأدلة النقلية من الكتاب والسنة على تأثير العين بعد إرادة الله على المعيون، وعلى التوقي والاسترقاء منها ما يأتي:

من القرآن

1.قوله تعالى:"قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد"12، حيث أمر الله بالاستعاذة من شر الحاسد والعائن.

2.قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام موصيًا بنيه:"وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلتُ وعليه فليتوكل المتوكلون".

قال القرطبي رحمه الله في تفسيرها: (لما عزموا على الخروج خشي عليهم العين، فأمرهم ألا يدخلوا مصر من باب، وكانت مصر لها أربعة أبواب، وإنما خاف عليهم العين لكونهم أحد عشر رجلًا لرجل واحد، وكانوا أهل جمال وبسطة، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وغيرهم) .

3.وقوله:"ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله".

قال أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من رأى شيئًا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضرَّه عين".

وقال القرطبي: (وروي أن من قال أربعًا أمِن من أربع: من قال هذه أمِن العين؛ وقال أشهب: قال مالك: ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا؛ وقال ابن وهب: قال لي حفص بن ميسرة: رأيتُ على باب وهب بن منبه مكتوبًا:"ما شاء الله لا قوة إلا بالله") .

4.وقوله:"وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت