وعلى التأويل الأول: (كَلَّا) بمعنى: حقًّا أنهم لا يطمعون، ثم استانف بقوله: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) ، أي: من تلك النطف؛ فيذكرهم بهذا عظيم نعمه وإحسانه إليهم بما أخرجهم منها ونقلهم من حال إلى حال حتى صاروا بشرًا سويًّا؛ ليعلموا أنه لا يتركهم سدى؛ بل ليمتحنهم ويستأدي منهم شكر ما أنعم عليهم؛ فيوجب ذلك تصديق الرسل.
وفيه تذكير قدرته وسلطانه، وبيان ضعف ابتدائهم؛ ليعلموا أن من قدر على إنشائهم لقادر على أن يحييهم بعدما أفناهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ(40) .
ذكر المشارق والمغارب: ذكر السماوات والأرض، وفي ذكرهما ذكر أهل السماوات وأهل الأرض، فيكون معناه: فلا أقسم برب الخلائق أجمع، ويكون حرف"لا"زائدًا في الكلام تأكيدا للقسم على ما يذكر، فيكون معناه: فلا أقسم.
ثم حق هذا القسم أن يقول مكان قوله: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) :"فلا أقسم بي"إذا كان القسم من اللَّه تعالى، هذا هو ظاهر الكلام، في متعارف اللسان، ولكن يحتمل هذا وجوها:
أحدها: أن يكون هذا القسم من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كأنه علمه أن يقسم به ويقول له: قل يا مُحَمَّد: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) .
وإن كان هذا قسما من اللَّه تعالى فهو مستقيم - أيضا - من وجهين:
أحدهما: على الإضمار؛ كأنه قال: فلا أقسم بي؛ فأنا رب المشارق والمغارب.
والثاني: وإن كان هذا القسم من اللَّه تعالى يستقيم بلفظ الغائب كما يستقيم بلفظ الحاضر؛ لأن الخلق كله لله شهود، وليس هو شاهدًا للخلق، فيخرج الكلام بينهم على ما يخاطب الغائب، ومرة على الوجه الذي يخاطب به الشاهد، ومثل هذا مستعمل في متعارف اللسان، واللَّه أعلم.