أحدها: أن من الناس من يحرم الاستمتاع بملك النكاح وملك اليمين، فيخبر أنهم عند من اعتقد الإيمان بالرسل غير ملومين، وإنَّمَا يلومهم من أنكر الرسالة، وهم الثنوية والبراهمة.
وجائز أن يكون معناه: أنهم وإن منعوا النساء عن الجماع بما هو خير لهم من الصيام وأنواع القرب، لم تلحقهم اللائمة كما يلام من يمنع آخر عن طاعة اللَّه تعالى، وإذا استمتعوا بملك النكاح وملك اليمين، لم يبلوا بالزنى؛ فتلحقهم اللائمة بذلك.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ(31)
العادي: هو الظالم في الحقيقة؛ يقال: عدا فلان على فلان؛ إذا ظلمه، فهم عادون؛ حيث ظلموا أنفسهم فوضعوها في موضع لم يؤذن لهم بالوضع فيها.
وقال الحسن: هم العادون حيث عدوا من الحلال إلى الحرام.
وفي هذه الآية دلالة تحريم المتعة؛ لأنه أخبر أن من ابتغى وراء ملك اليمين وملك النكاح، فهو إذن من العادين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(32)
فالأمانات لها وجهان:
أحدهما: ما ائتمن اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - عباده على ما له من الحقوق عليهم. والثاني: ما ائتمن بعضهم بعضا على الحقوق والعهود التي تجري بين الخلق من الذمم، والنذور، وغير ذلك؛ فيدخل فيه كل أمانة بين العبد وبين ربه، وبينهم وبين الخلق، وكل عهد أخذ عليهم؛ من نحو قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) - قيل في التأويل: العهود - ثم بين ذلك فقال: (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ ...) . والعهد الذي أعطينا للمعاهدين، فكل ذلك داخل تحت الآية، وقد يدخل معنى الأمانة في العهد والعهد في الأمانة، وقد يجوز أن يقع بينهما فرق، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -:، (وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ(33) .