وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ أَدَائِهَا مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا هِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا الرُّوحِيَّةِ فِي صُورَتِهَا الْعَمَلِيَّةِ ، وَذَلِكَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى اللهِ - تَعَالَى - وَمُنَاجَاتِهِ وَالِانْقِطَاعِ إِلَيْهِ عَمَّا عَدَاهُ ، وَإِشْعَارِ الْقَلْبِ عَظَمَتَهُ وَكِبْرِيَاءَهُ ، فَبِهَذَا الشُّعُورِ يَنْمُو الْإِيْمَانُ ، وَتَقْوَى الثِّقَةُ بِاللهِ ، وَتَتَنَزَّهُ النَّفْسُ أَنْ تَأْتِيَ الْفَوَاحِشَ وَالْمُنْكَرَاتِ ، وَتَسْتَنِيرُ الْبَصِيرَةُ فَتَكُونُ أَقْوَى نَفَاذًا فِي الْحَقِّ ، وَأَشَدَّ بُعْدًا عَنِ الْأَهْوَاءِ ، فَنُفُوسُ الْمُصَلِّينَ جَدِيرَةٌ بِالنَّصْرِ لِمَا تُعْطِيهَا الصَّلَاةُ مِنَ الْقُوَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ ، وَمِنَ الثِّقَةِ بِقُدْرَةِ اللهِ - تَعَالَى - ، فَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - بَعْدَ الْوَعْدِ بِالنَّصْرِ: (إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) دَلِيلًا أَيَّدَ بِهِ الْوَعْدَ ، فَقَوْلُهُ: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) هِدَايَةً إِلَى طَرِيقِ الِاقْتِنَاعِ التَّامِّ بِهَذَا الدَّلِيلِ حَتَّى يَكُونَ وِجْدَانًا لِلنَّفْسِ لَا تُزَلْزِلُهُ الشُّبُهَاتُ ، وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْمُشَاغَبَاتُ وَالْمُجَادَلَاتُ .
وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْقُرْآنِ بِقَرْنِ الزَّكَاةِ بِالصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لِإِصْلَاحِ نُفُوسِ الْأَفْرَادِ ، وَالزَّكَاةَ لِإِصْلَاحِ شُئُونِ الِاجْتِمَاعِ ، ثُمَّ إِنَّ فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ مَا فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ الْمَالَ - كَمَا يَقُولُونَ - شَقِيقُ الرُّوحِ ، فَمَنْ جَادَ بِهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ - تَعَالَى - كَانَ بَذْلُهُ مَزِيدًا فِي إِيْمَانِهِ ، فَهِيَ إِصْلَاحٌ رُوحِيٌّ أَيْضًا .