وَبَعْدَ أَنْ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فِي سِيَاقٍ كَشَفَ شُبْهَةَ مَنْ يَشْتَبِهُ مِنْ ضُعَفَاءِ الْإِيْمَانِ فِي نَصْرِ اللهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَجَعْلِ السُّلْطَانِ لَهُمْ عَلَى الْكَافِرِينَ ، وَبَيَانِ أَنَّ إِقَامَةَ
هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ مِنْ وَسَائِلِ النَّصْرِ وَالسُّلْطَانِ فِي الدُّنْيَا ، بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ فِي الْآخِرَةِ ، فَقَالَ: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ) ، وَلَكِنَّ الْبَيَانَ جَاءَ فِي صُورَةٍ عَامَّةٍ ، وَهَذَا مِنَ الْأَسَالِيبِ الَّتِي لَا تَكَادُ تَجِدُ لَهَا فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ نَظِيرًا يَنْتَقِلُ مِنْ بَيَانِ حُكْمٍ إِلَى آخَرَ ، فَيَكُونُ الثَّانِي قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَشَامِلًا لِلْأَوَّلِ بِعُمُومِهِ ، وَتَكُونُ صِلَةُ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ هِيَ الرَّابِطَ فِي النَّظْمِ . وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: (تَجِدُوهُ) هُوَ كَقَوْلِهِ: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (99: 7) وَقَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يَرَى وَيَجِدُ جَزَاءَهُ ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْجَزَاءُ مَبْنِيًّا عَلَى أَثَرِ الْعَمَلِ فِي نَفْسِ الْعَامِلِ وَارْتِقَائِهَا بِهِ كَانَ الْجَزَاءُ
بِمَثَابَةِ الْعَمَلِ نَفْسِهِ ، وَوَصَلَ الْوَعْدُ بِالْجَزَاءِ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يَبْعَثُ الْمُؤْمِنَ عَلَى الْإِحْسَانِ فِيهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِهِ ، فَقَالَ: (إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ فَتَخَافُوا أَنْ يُنْقِصَكُمْ مِنْ أُجُورِكُمْ شَيْئًا .