الْجَوَابُ يَقُولُ لِمِثْلِ هَذَا الْمُشْتَبِهِ: إِنَّ الَّذِي أَوْقَفَهَا هَذَا الْمَوْقِفَ ، وَمَنَحَهَا هَذَا الْوَصْفَ ، وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَهَبَهَا مِنَ الْقُوَّةِ مَا تَتَضَاءَلُ دُونَهُ جَمِيعُ الْقُوَى ، وَهُوَ مَا يُؤَيِّدُ بِهِ سُبْحَانَهُ مَنْ يَقُومُ بِالْحَقِّ وَيَثْبُتُ عَلَيْهِ (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (22: 40) وَقَدْ فَعَلَ .
أَقُولُ: جَعَلَ شَيْخُنَا الْأَمْرَ فِي الْغَايَةِ الَّتِي قَيَّدَ بِهَا الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ وَاحِدَ الْأُمُورِ ، إِذْ فَسَّرَهُ بِالنَّصْرِ ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ جَعَلُوهُ وَاحِدَ الْأَوَامِرِ ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِقِتَالِهِمْ ، وَيُعَبِّرُ بَعْضُهُمْ بِآيَةِ السَّيْفِ ، وَيَعْنُونَ آيَةَ التَّوْبَةِ الَّتِي فِيهَا حُكْمُ الْجِزْيَةِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ هُنَا الْأَمْرُ بِقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَإِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ ، وَقَالُوا: إِنَّهُ تَوْقِيتٌ لَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى مَنْسُوخًا ، أَيْ فِي عُرْفِ الْأُصُولِيِّينَ ، وَإِنْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
وَغَيْرِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَاهَدَ جَمِيعَ الْيَهُودِ الْمُجَاوِرِينَ لَهُ فِي الْمَدِينَةِ عَهْدًا أَمَّنَهُمْ فِيهِ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَحُرِّيَّةِ دِينِهِمْ ، فَغَدَرُوا وَنَقَضُوا الْعَهْدَ بِمُوَالَاةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ مِرَارًا ، وَكَانَ يَعْفُو عَنْهُمْ وَيَصْفَحُ حَتَّى أَذِنَ اللهُ لَهُ بِقِتَالِهِمْ وَإِجْلَائِهِمْ .