إن النسخ لا يكون إلا فِي معنى الأمر والنهي معني الخبر والإنشاء يكون فِي الإخبار وفي الأمر والنهي ، لكن فِي الخبر معناه لا يزول وإن زال اللفظ ، وقد يستعمل أحد اللفظين مكان الأخر ، فمن هذا ما روت عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنه نزل فِي قصة أهل بئر معونة قرآن منه: (بلغوا قومنا) أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا) ، ثم نسخت ، ففيه دلالتان:
إحداهما أن قوله: (لقينا ربنا) إخبار ، وقت سمته نسخاً ، والثانية: أنها استعملت النسخ فِي رفع التلاوة دون المعنى ، وعلى ذلك ما روي أنه كان فيما أنزل الله: (لو أن لابن أدم واديين من مال لابتغى إليهما ثالثاً ، ولا يملا جوف ابن أدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب) ، ثم نسخ وذلك خبر ، وقيل: الكلام فِي تأويل الآية أن يذكر ما يكشف خطأ اليهود وشرذمة من المسلمين أنكروا النسخ زاعمين أن ذلك هو المبدأ ، ولا يفعلن إلا من يجهل العواقب ويتجدد له رأي بعد رأي ، فيقال وبالله التوفيق...
"إن لله تعالى خلفاء فِي الأرض مستخلفين فيها ومستعمرين فيها لنتوصل بذلك إلى مجاورته والقرب منه بحياة لا موت بعدها ، وغنى لا حاجة معه ، وقدرة لا يعتورها عجز ، ولا سبيل إلى ذلك إلا باكتساب الصحة فِي النفس ، وصحتها أمران: العلم والعمل ، أما العلم: فمعرفة الصدق من الكذب ، والجميل من القبيح ، والخير من الشر ، وأما العمل: فتحري الصدق فِي المقال والجميل فِي الفعال وتجنب ضديهما ، وكما لا سبيل إلى استفادة صحة البدن إلا بطبيبين ، أحدهما من داخل وهي القوة"