الأولى يكون تحقيق معني: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وعلى الثانية بالفتح يكون تحقيق معني: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وهذان الأمران سبب الهداية إلي الصراط المستقيم ، والتوسل بهما إلي الله بعد الثناء عليه بأسمائه وصفاته أعظم سبب لتحصيل الهداية ، والتي هي كما بينا كمال القوة العملية والعلمية ، والبعد عن صراط المغضوب عليهم - الغواة - والضالين المتبعين لتزيين الشيطان ؛ فأنت تلحظ اتفاق آيات القرآن فِي المواضع المختلفة علي بيان هذين الأمرين سلبا وإيجابا ، أي إثبات سلامة الاعتقاد وسلامة الإرادة لأهل الإيمان ، وسلبهما عن أهل الكفر والفسوق والعصيان ؛ المستجيبين لدعوة الشيطان بالتزيين والإغواء ، وهذا يبين لنا وجوب الاهتمام بهاتين المسألتين فِي التربية والدعوة للأفراد والمجتمعات ؛ فلابد أن نحارب إبليس فِي الأمرين فِي التزيين والإغواء ، لابد من تصحيح الفهم والاعتقاد والتربية العلمية ، ولابد أيضا من تهذيب الإرادة والقصد وإصلاحها ، ونقص أو ضياع أحد الأمرين سبب لفساد الدعوة ، وفساد التربية ، وعدم تحقيق الهدف المنشود من سلوك الصراط المستقيم الموصل إلي الله سبحانه ، وما أُتي المسلمون إلا من نقص أحد الأمرين ، ولو تأملنا أحوالهم المعاصرة والماضية ، وأحوال الدعوات المختلفة الراغبة فِي الإصلاح - والتي لم تثمر ثمرتها المرجوة - لوجدنا إما خللا فِي الناحية العلمية والمنهجية ، وإما نقصاً فِي إصلاح الإرادات وتزكية النفوس ، أو كلاهما معا ، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها: من كمال العلم والعمل والتصور والإرادة ، ولنعلم أننا لن ننال ذلك إلا بالله سبحانه وإعانته وتوفيقه: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] .وقوله عز وجل: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ