فانظر إلي آثار كل منهم وأعمالهم تعرف حقيقة أسمائهم ، ثم بعد أن يأخذوا دورهم فِي الصراع مدة حياتهم يرجعون إلي الأرض التي منها خلقوا ؛ فيرحلون من ظاهرها إلي باطنها ؛ ليأخذ غيرهم دورهم فِي الصراع والعداوة ، منهم من يكون من جند الحق من أبناء أبيه آدم ، ومنهم من يكون من جند إبليس وحزبه ، ويرحل كل جيل إلي باطن الأرض ، مؤمنهم وكافرهم، بَرّهم وفاجرهم ، ينتظرون انتهاء حلقات الصراع كلها ، ثم يخرجهم الله للثواب والعقاب ، والحساب والجزاء ، ومدة بقائهم فِي باطنها - فِي الأغلب - أطول بكثير من مده بقائهم علي ظهرها ، ومع ذلك فأكثرهم فِي غفلة من الاستعداد لهذه المدة الطويلة ، فضلا عما بعدها من الخلود الأبدي ، إلا من أيقظه الله من سنة الغفلة وأحياه من موت الجهالة ، وبصره من عمي القلب ؛ فأدرك حقيقة القضية .وقارن مقارنة العقلاء بين مدة: {فِيهَا تَحْيَوْنَ} ومدة: {وَفِيهَا تَمُوتُونَ} وخلود ما بعد: {وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} ، فالعاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمني علي الله الأماني . قال ابن القيم - رحمه الله -:"فأول منازل العبودية اليقظة: وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين ، والله ما أنفع هذه الروعة! وما أعظم قدرها ، وما أشد إعانتها علي السلوك! فمن أحس بها فقد أحس والله بالفلاح ، وإلا فهو فِي سكرات الغفلة فإذا انتبه شمر لله تعالى إلي السفر إلي منازله الأولى ، وأوطانه التي سبي منها:فأخذ فِي أهبة السفر ؛ فانتقل إلي منزلة (العزم) : وهو العقد الجازم علي المسير ، ومفارقه كل قاطع ومعوق ، ومرافقة كل معين وموصل ، وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمه ، وبحسب قوة عزمه يكون استعداده ، فإذا استيقظ أوجبت له اليقظة الفكرة ، وهي تحديق القلب نحو المطلوب الذي قد استعد له مجملاً ، ولما يهتد إلي تفصيله وطريق الوصول إليه فإذا صَحَّت فكرته أوجبت له البصيرة ؛ فهي نور فِي القلب"