أنواع الحكم فيما شرع وفيما قدر ، ثم يظل هذا المتكبر الجاهل المغتر مصرًا على رؤيته القاصرة لما ينبغي أن يكون عليه الأمر ؛ فيترك ما أرشده الله إليه من الحكم ، ويدعي أن ما ظنه هو الحكمة ، مع أنه ليس مناسبًا ولا بحكمة ، فلا شك أن ما ظنه إبليس من وجوب تفضيل النار على الطين ، ولزوم تكريم من هو مخلوق من النار على المخلوق من الطين ، أمر لا مناسبة فيه ولا معنى للتكريم ؛ فإن عنصري النار والطين فِي ذاتهما ليسا بموجبين للتكريم ، ولو كان تفضيل من جهة العنصر ولابد ؛ فإن الطين فيه من الصفات ما يكون أولى بالتكريم.قال ابن كثير - رحمه الله -: وقول إبليس لعنه الله: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} من العذر الذي هو أكبر من الذنب ، كأنه امتنع عن الطاعة ؛ لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول: يعني لعنه الله وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؟! ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار ، والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين ، فنظر اللعين إلى أصل العنصر ولم ينظر إلى التشريف العظيم ؛ وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وقاس قياسًا فاسدًا فِي مقابلة نص قوله تعالى: {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} ، فشذ من بين الملائكة لترك السجود ؛ فلهذا أبلس من الرحمة ، أي أيس من الرحمة فأخطأ قبّحهُ الله فِي قياسه ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضًا فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل الإنبات والنماء والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة ، ولهذا خان إبليس عنصره ، ونفع آدم عنصره ، بالرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة. ا هـ.وإن كان ما ذكره - رحمه الله - من أنه خان إبليس عنصره ونفع آدم عنصره ، فيه نظر فإنما نفع آدم منة الله عليه وتكريم الله له ، وتلقيه كلمات من ربه ، والذي ضر إبليس كبره وعلوه ، وإلا فإن من ذريته من يتوب إلى الله