واشتدّ الخصام والنزاع بين أهل الكتاب، فلم يكتفوا بما سبق، بل قالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين يعتدّ به، فلا يؤمنون بالمسيح الذي بشّرت به التوراة، ولا يزالون إلى اليوم يدّعون أن المسيح المبشّر به لما يأت بعد، وينتظرون ظهوره، وإعادته الملك إلى شعب إسرائيل. وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء من الدين الصحيح، فأنكروا تتميم المسيح لشريعة اليهود.
قالوا ذلك والحال أنهم أصحاب كتاب يدّعون تلاوته ويؤمنون به، فالتوراة تبشر برسول منهم يأتي بعد موسى، والإنجيل يقول: إن المسيح جاء متمما لناموس (شريعة) موسى، لا ناقضا، فلو أن اليهود تؤمن بالتوراة، والنصارى تؤمن بالإنجيل، لما قالوا مثل ذلك، لأن كل كتاب نزل من عند الله، مصدقا لما
سبقه، ومبشرا لما يأتي بعده، وكل منهما مشروع في وقت، والمعنى: أن دينهم واحد، ترك كل فريق منهم بعضه، وكتاب كل منهم حجة عليهم.
وهم في هذا الموقف لا يؤمنون بشيء، ولقد قال المشركون عبدة الأوثان الذين لا يعلمون شيئا لعدم وجود كتاب سماوي لديهم مثل مقالة أهل الكتاب، فقالوا لأهل كل دين: لستم على شيء، والله يحكم بين الجميع يوم القيامة بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة، فهو العليم بما عليه كل فريق من حق أو باطل، ويجازيهم على بطلانهم أشدّ الجزاء، وأما الجنة: فهي لمن أخلص العبادة لله، وانقاد له، وأخلص نفسه لربه، لا يشرك به غيره، وهو محسن أي عامل بأوامر الله، متجنب نواهيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن من شأن أهل الكتاب أن يؤمن كل فريق بكتاب الآخر، ثم يؤمنون جميعا بالقرآن، لأنهم على علم بأصول الدين والوحي، وإقرار بمبدإ النبوة، واعتراف بوجود الإله، خلافا لكفار العرب المشركين عبدة الأصنام والأوثان، لأنهم لا كتاب لهم.
فلا مسوغ لوقوع التنازع والتناقض والتباغض والتعادي والتعاند بين اليهود والنصارى، وما عليهم إلا أن يعملوا ويؤمنوا بكل ما جاء في كتابهم، فيهتدوا إلى الإيمان الحق، والتصديق برسالة كل نبيّ آت.