فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ لِيَ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانَهُمَا دُونَ غَيْرِي أَحْكُمُ فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا مَا أَشَاءُ وَآمُرُ فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاءُ، وَأَنْهَى عَمَّا أَشَاءُ، وَأَنْسَخُ وَأُبَدِّلُ وَأُغَيِّرُ مِنْ أَحْكَامِي الَّتِي أَحْكُمُ بِهَا فِي عِبَادِي مَا أَشَاءُ إِذَا أَشَاءُ، وَأُقِرُّ مِنْهَا مَا أَشَاءُ؟ وَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ كَانَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ عَظَمَتِهِ، فَإِنَّهُ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا نَسْخَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ وَجَحَدُوا نُبُوَّةَ عِيسَى، وَأَنْكَرُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِمَجِيئِهِمَا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِتَغْيِيرِ مَا غَيَّرَ اللَّهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ. فَأَخْبِرْهُمُ اللَّهُ أَنَّ لَهُ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانَهُمَا، فَإِنَّ الْخَلْقَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ وَطَاعَتِهِ، عَلَيْهِمُ السَّمْعُ لَهُ وَالطَّاعَةُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَإِنَّ لَهُ أَمْرَهُمْ بِمَا شَاءَ وَنَهْيَهُمْ عَمَّا شَاءَ، وَنَسْخَ مَا شَاءَ وَإِقْرَارَ مَا شَاءَ، وَإِنْسَاءَ مَا شَاءَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ: انْقَادُوا لِأَمْرِي، وَانْتَهُوا إِلَى طَاعَتِي فِيمَا أَنْسَخُ وَفِيمَا أَتْرُكُ فَلَا أَنْسَخَ مِنْ أَحْكَامِي وَحُدُودِي وَفَرَائِضِي، وَلَا يَهُولَنَّكُمْ خِلَافُ مُخَالِفٍ لَكُمْ فِي أَمْرِي وَنَهْيِي وَنَاسِخِي وَمَنْسُوخِي، فَإِنَّهُ لَا قَيِّمَ بِأَمْرِكُمْ سِوَايَ، وَلَا نَاصِرَ لَكُمْ غَيْرِي، وَأَنَا الْمُنْفَرِدُ بِوَلَايَتِكُمْ وَالدِّفَاعِ عَنْكُمْ، وَالْمُتَوَحِّدُ بِنُصْرَتِكُمْ بِعِزِّي وَسُلْطَانِي وَقُوَّتِي عَلَى مَنْ نَاوَأَكُمْ وَحَادَّكُمْ وَنَصَبَ حَرْبَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمْ، حَتَّى أُعَلِّيَ حُجَّتَكُمْ، وَأَجْعَلَهَا عَلَيْهِمْ لَكُمْ. وَالْوَلِيُّ مَعْنَاهُ «فَعِيلٌ» ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَلِيتُ أَمْرَ فُلَانٍ: إِذَا صِرْتُ قَيِّمًا بِهِ فَأَنَا إِلَيْهِ فَهُوَ وَلِيُّهُ وَقَيِّمُهُ؛ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ: فُلَانٌ وَلِيُّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ، يَعْنِي بِهِ: الْقَائِمَ بِمَا عُهِدَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ.