إذن فقوله تعالى:"بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن".. أي لا يدخل الجنة إلا من أسلم وجه لله وهو محسن .. فقد يسلم واحد وجهه لله ويكون منافقا يظهر بغير ما يبطن .. نقول إن المنافقين لم يكونوا محسنين ولكنهم كانوا مسيئين .. لأن لهم شخصيتين شخصية مؤمنة أمام الناس وشخصية كافرة فِي الحقيقة أو فِي قلوبهم. قوله تعالى:"من أسلم وجهه لله"تدلنا على أن كل شيء أسلم لله لأن الوجه هو أشرف شيء فِي الإنسان .. فيه التمييز وفيه السمة وفي التشخص وهو أعلى ما فِي الجسم .. وحينما عرفوا الإنسان قالوا حيوان ناطق أي حيوان مفكر .. وقال بعضهم حيوان مستوي القامة يعني قامته مرفوعة .. والقامة المرفوعة على بقية الجسم هي الوجه .. والإنسان مرفوع على بقية أجناس الأرض .. إذن هو مرفوع على بقية الأجناس ووجهه مرفوع عليه .. فإذا أسلم وجهه لله يكون قد أسلم أشرف شيء فيه لله .. ولذلك قيل .. أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد .. لماذا؟ .. لأنه جاء بالوجه الذي رفعه الله به وكرمه .. وجعله مساويا لقدميه ليستوي أكمل شيء فِي بأدنى شيء .. فلم يبقى عنده شيء يختال به على الله.
الحق سبحانه وتعالى يقول:"فله أجره عند ربه".. كلمة"أجره عند ربه".. دلت على أن الله لم يجعلنا مقهورين .. ولكنه كلفنا وجعلنا مختارين أن نفعل أو لا نفعل .. فإن فعلنا فلنا أجر .. ولأن التكليف من الله سبحانه وتعالى فالمنطقي أن يكون الأجر عند الله .. وألا يوجد خوف أو حزن .. لأن الخوف يكون من شيء سيقع .. والحزن يأتي على شيء قد وقع .. ولا هذه ولا تلك تحدث عندما يكون أجرنا عند الله. إن الإنسان حين يكون له حق عند مساويه .. فربما يخاف أن ينكر المساوي هذا الحق أو يطمع فيه، أو يحتاج إليه فيدعي عدم أحقيته فيه، ولكن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين .. ولذلك فهو لا يطمع فيما فِي أيدنا من خير لأنه من عنده .. ولا يطمع فيما معنا من مال لأن عنده خزائن السماوات والأرض.