ربه عز وجل علي تكريمه لآدم بفعل خلاف ما أراد من تكريم بني آدم ، وهو علي كبره جاهل عنيد ، لا يدري أن تكريم آدم وبنيه لا سبيل له لإبطاله ؛ لأن المقصودين من هذا التكريم هم أهل الإيمان: الأنبياء والصالحون ، وهؤلاء لا يستطيع إبليس إليهم سبيلاً ، والباقون من بني آدم: الذين لم يعبدوا الله، واتبعوا إبليس ليسوا من آدم حقيقة ، وإن كانوا منه نسبًا: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46] ، وقد خلقهم الله ليكمل للمؤمنين عبوديتهم لربهم: بمجاهدتهم ، وصبرهم علي أذاهم وعداوتهم ، وغير ذلك من أنواع العبودية ؛ فجهل اللعين أن كل ما ينوي فعله لا يؤثر علي التكريم الذي أراده الله لآدم وذريته الحقيقيين ؛ قال تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} ، قال ابن كثير - رحمه الله -: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ} يقول للرب جراءة وكفرًا ، والرب يحلم ويُنْظِر ، {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} الآية. قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: يقول لأستولين علي ذريته إلا قليلاً ، وقال مجاهد: لأحتوين ، وقال ابن زيد: لأضلنهم .وكلها متقاربة ، والمعنى أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته عليَّ لئن أنظرتني لأضلَّن ذريته إلا قليلاً منهم ، وفي الآية رد علي الجهمية القائلين: الإيمان هو المعرفة. فإبليس حال كفره يقر بالخالق فيقول: {خَلَقْتَ طِينًا} ويعرف أن الله كرم آدم عليه ؛ فلم يجهل أنه أُمِر بالسجود له تكريمًا وتشريفًا ، وعلم أنه داخل فِي عموم الأمر ويعلم أن الله هو الذي يحيي ويميت ويؤخر من يشاء ولهذا قال: {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} فكل هذا دليل قاطع علي بقاء المعرفة فِي قلبه ، ولكن لما زال عمل القلب: من الخضوع والانقياد لله سبحانه ، وحل محله الكبر والإباء ، وسوء الظن بالله ، وجهله بكمال صفات