.. ج 319: أقول: المسلم في كل مصادره وموارده لابد أن يكون تابعًا للدليل من الكتاب والسنة، وهذه المسألة قد فصلتها الأدلة الصحيحة الصريحة، فيتعامل المسلم مع المنافقين كما كان النبي ? يتعامل معهم فإنه القدوة الحسنة فداه روحي وأبي وأمي والناس أجمعين، وقد ذكرها الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى ورفع نزله في عليين - في كتابه زاد المعاد، فقد ذكر أن سيرته ? أنه كان يأمر بقبول علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، وأنه كان يجاهدهم بالحجة والعلم، وأن الله أمره أن يعرض عنهم، وأمره أن يغلظ عليهم وأن يبلغ القول البليغ إلى نفوسهم، ونهاه أن يصلي عليهم وأن يقوم على قبروهم، وأخبر أنه إن استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر لهم، فهذه تسع مسائل هي مجمل الجواب، وإليك هذه المسائل مقرونة بأدلتها فأقول:
... نتعامل مع المنافقين بما يلي:
... أولًا: قبول علانيتهم، ودليل ذلك: أنه ? كان يسمح لهم بالخروج معه للجهاد وبالدخول في المسجد وبالصلاة معه، ولما تخلف طائفة منهم في غزوة تبوك جاءوا واعتذروا وحلفوا بالله أنهم لم يستطيعوا الخروج ولا عدة عندهم ويخافون من الفتنة، فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم وكان يقول: (( أتريد أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه ) )، وغير ذلك من الأدلة، وإنه مع علمنا اليقيني بوجودهم في عهده ? إلا أننا لم نقرأ ولا نعرف أنه عامل أحدًا منهم بما يسره في قلبه، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة.
... ثانيًا: توكيل سرائرهم إلى الله تعالى، ذلك لأن النفاق أمر باطني لا يرى، ولكن له علامات وهم يحاولون إخفاء هذه العلامات، ونحن مأمورون بالأخذ بالظاهر، وأما أمر السرائر فإنه إلى الله تعالى، ويستدل على ذلك بما سبق من الأدلة، فإن قبول علانيتهم يلزم منه أنه لم ينظر إلى ما يسرونه من النفاق في قلوبهم، والله المستعان.