واعلم أن هذا الخبر تنبيه على ما هو السر العقلي فِي تعظيم المساجد وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله تعالى ، فإذا كان المسجد مكاناً لذكر الله تعالى حتى أن الغافل عن ذكر الله إذا دخل المسجد اشتغل بذكر الله والسوق على الضد من ذلك ، لأنه موضع البيع والشراء والإقبال على الدنيا وذلك مما يورث الغفلة عن الله ، والإعراض عن التفكر فِي سبيل الله ، حتى أن ذاكر الله إذا دخل السوق فإنه يصير غافلاً عن ذكر الله لا جرم كانت المساجد أشرف المواضع والأسواق أخس المواضع.
الثاني: فِي فضل المشي إلى المساجد (أ) عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام:"من تطهر فِي بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئته والأخرى ترفع درجته"رواه مسلم.
(ب) أبو هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام:"من غدا أو راح إلى المسجد أعد الله له فِي الجنة منزلاً كلما غدا أو راح"أخرجاه فِي الصحيح.
(ج) أبي بن كعب قال: كان رجل ما أعلم أحداً من أهل المدينة ممن يصلى إلى القبلة أبعد منزلاً منه من المسجد وكان لا تخطئه الصلوات مع الرسول عليه السلام ، فقيل له: لو اشتريت حماراً لتركبه فِي الرمضاء والظلماء ، فقال: والله ما أحب أن منزلي بلزق المسجد ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فسأله فقال: يا رسول الله كيما يكتب أثري وخطاي ورجوعي إلى أهلي وإقبالي وإدباري ، فقال عليه الصلاة والسلام"لك ما احتسبت أجمع"أخرجه مسلم.
(د) جابر قال: خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم:"أنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى قرب المسجد ، فقالوا: نعم قد أردنا ذلك قال يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم"رواه مسلم.