"وللناس فميا يعشقون مذاهب"... فمنهم من يعمل لباعث الخوف من النار فله ذلك، ومنهم من يعمل لباعث الطمع فِي الجنة وهم أكثر أهل الجنة لقصور هممهم عن طموح ما فوقها من الكمالات واللذات الحقيقيات أكثر أهل الجنة البله"ومنهم من يعمل لله فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولما جمع الله تعالى أهل الكتابين فِي الآية المتقدمة، فصل بينهما وبين قول كل فريق فِي حق الآخر، والظاهر حمل لفظي اليهود والنصارى على العموم وإن كان السبب خاصاً لأن هذا اعتقاد كل واحد من كل من الطائفتين فِي حق الأخرى. روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى والإنجيل. وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى والتوراة. ومعنى {على شيء } أي شيء يصح ويعتد به، وفيه مبالغة عظيمة كقول العرب"أقل من لا شيء"عن ابن عباس: والله صدقوا. قلت: وذلك أن الإيمان بالله إنما يعتد به إذا كان مؤمناً برسوله وبكل ما أنزله {وهم يتلون الكتاب} الواو للحال والكتاب للجنس أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله أن يؤمن بالباقي ولا يكفر به، لأن جميع الكتب السماوية متواردة فِي تصديق بعضها بعضاً {كذلك} الكاف للتشبيه و {ذلك} إشارة إلى المذكور أي قولاً مثل الذي سمعت به {قال الذين لا يعلمون} و {مثل قولهم} مكرر للتأكيد ولطول الكلام بالموصول والصلة. والمراد بالذين لا يعلمون الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام القائلين إن المسلمين ليسوا على شيء وفيه توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم فِي سلك من لا يعلم فقالوا قولاً عن التشهي والعصبية مثلهم {فالله يحكم بينهم} أي بين اليهود والنصارى يوم القيامة. عن الحسن: يكذبهم جميعاً"