وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} مَا نَنْسَخْ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهِ. غَيْرَ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِالْآيَةِ لَمَّا كَانَ مَفْهُومًا عِنْدَهُمْ مَعْنَاهَا اكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ ذِكْرِ الْآيَةِ مِنْ ذِكْرِ حُكْمِهَا. وَذَلِكَ نَظِيرُ سَائِرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَظَائِرِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، كَقَوْلِهِ: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} بِمَعْنَى حُبِّ الْعِجْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: مَا نُغَيِّرُ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ فَنُبَدِّلُهُ أَوْ نَتْرُكُهُ فَلَا نُبَدِّلُهُ، نَأْتِ بِخَيْرٍ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ حُكْمًا مِنْهَا، أَوْ مِثْلِ حُكْمِهَا فِي الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ وَالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْعِجْلَ لَا يُشْرَبُ فِي الْقُلُوبِ وَأَنَّهُ لَا يَلْتَبِسُ عَلَى مَنْ سَمِعَ قَوْلَهُ: {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} أَنَّ مَعْنَاهُ: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ حُبَّ الْعِجْلِ، فَمَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} لِذَلِكَ نَظِيرٌ؟
قِيلَ: الَّذِي دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءُ خَيْرٌ مِنْ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهُ كَلَامُ اللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنْ يُقَالَ بَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَبَعْضُهَا خَيْرٌ مِنْ بَعْضٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}