القسم الثالث: سائر المباحات ولا شيء منها إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات ، فما أعظم خسران من يغفل عنها ولا يصرفها إلى القربات ، وفي الخبر: من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك ، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة فإن قلت: فاشرح لي كيفية هذه النية ، فاعلم أن القصد من التطيب إن كان هو التنعم وريحه أنتن من الجيفة ، فإن قلت: فاشرح لي كيفية هذه النية ، فاعلم أن القصد من التطيب إن كان هو التنعم بلذات الدنيا أو إظهار التفاخر بكثرة المال أو رياء الخلق أو ليتودد به إلى قلوب النساء ، فكل ذلك يجعل التطيب معصية ، وإن كان القصد إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية عن عباد الله وتعظيم المسجد ، فهو عين الطاعة ، وإذا عرفت ذلك فقس عليه سائر المباحات ، والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق ، وكل ما عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب.
المسألة الخامسة:
اعلم أن الجاهل إذا سمع الوجوه العقلية والنقلية فِي أنه لا بد من النية فيقول فِي نفسه عند تدريسه وتجارته: نويت أن أدرس لله وأتجر لله يظن أن ذلك نية وهيهات فذاك حديث نفس أو حديث لسان والنية بمعزل عن جميع ذلك إنما النية انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلاً وإما آجلاً.