العناء والشقاء فِي تحصيل الرزق ، فالأرض محل للشقاء والكبد للإنسان ؛ قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4] ؛ فمن يطمع فِي الراحة والسعادة فِي الدنيا يطمع فِي الوهم والخيال ، لابد لنا فِي هذه الأرض من التعب: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ} [النساء: 104] ، ولا يخفف من معاناتنا فِي الأرض إلا روح الرجاء: {وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104] ؛ رجاء لقاء الله ولذة الشوق إليه تذهب مرارة الشقاء ، وحلاوة الإيمان هي التي يجد بها الإنسان السعادة ، أما نعيم الدنيا من مطعم ومشرب ومنكح وملبس فمشوب بالنغص ، ممزوج بالغصص ، جعل الله الدنيا ناقصة لكي تطلب النفوس ما هو أعلي وأبقى: وهي التي لا يبغون عنها حولاً ؛ لكي يطلبوا الرجوع إلي المنازل الأولي فِي الجنة ، قال ابن كثير - رحمه الله -: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} أي: إياك أن يسعى فِي إخراجك منها فتتعب وتعني وتشقي فِي طلب رزقك فإنك هنا فِي عيش رغيد هنيء ، بلا كلفة ولا مشقة . {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى} إنما قرن بين الجوع والعري لأن الجوع ذل الباطن ، والعري ذل الظاهر . {وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} وهذا أيضاً من المتقابلات ؛ فالظمأ حر الباطن ، وهو العطش والضحى حر الظاهر. ا هـ . والضحى أن يتضرر الإنسان من شدة حر الشمس ؛ فهذه بعض أنواع الشقاء الذي لابد للإنسان منه فِي هذه الأرض . قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى} صريح فِي أن الوسوسة وقعت لآدم من إبليس ؛ ففيه رد للأخبار الإسرائيلية أنه وسوس لحواء حتى أكلت من الشجرة ، ثم أطعمتها آدم ، وأمرته بذلك .وفيه التحذير من خداع الشيطان بتسمَّيته الأشياء