وفيما تقدم من الآيات، دليل على شرف الإِنسان، وعلى فضل العلم، وأَنه في مقدمة العبادات، وأنه مناط الخلافة والنيابة عن الله في الأرض، وأَن ألحكمة أمر زائد على العلم، لأن الملائكة وصفوا الله تعالى بالحكمة بعد العلم، وإِلا لزم التكرار. وقد دلت الآية الاخيرة على أن الله سبحانه يعلم الأَشياءَ قبل حدوثها.
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) }
التفسير
34 - {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ .... } الآية.
في هذه الآيَة، تذكير بنعمة أُخرى على أبينا آدم عليه السلام، ناطقة بالتعظيم لقدره،
والتنويه بشأْنه، حيث أمر الله الملائكة بالسجرد له. والآية معطوفة على ماقبلها، عطف القصة على القصة. فقد عطفت فيها قصة السجود على قصة الخلق، لتستكمل بها نعمه - تعالى - التي تفضل بها على خلقه.
ومعنى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} أي واذكر لهم يا محمد، وقت قولنا للملائكة: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} أي: عظموه اعترافا - بفضله، وأداءً لحق تعليمه لكم الأسماءَ، واعتذارا عما وقع منكم في شأنه {فَسَجَدُوا} عطف على {قُلْنَا} ، والفاءُ لإفادة مسارعتهم إلى الامتثال {إِلَّا إِبْلِيسَ} فإنه لم يسجد ولم يمتثل. وسيأْتى بيان امتناعه في الآية الكريمة.
وظاهر استثنائه من الملائكة الذين سجدوا أنه منهم، ولكنه ليس كذلك، فإنه جِنَّيٌ؛ لقوله تعالى في آية أُخرى عنه: { ... كَانَ مِنَ الْجِنِّ ... } ، ولأنه لو كان من الملائكة، لما امتنع عن امتثال أمر ربه، لأنهم { ... لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}
ولهذا، يحمل استثناؤُة منهم على أنه لما كان بينهم، عابدا بعبادتهم، جعل منهم. فإن من طالت اقامته مع قوم واندمج فيهم، اعتبر منهم وان لم يكن من قبيلتهم.
وعلى هذا التأويل، يعتبر استثناؤة متصلًا، ويجوز اعتبار الاستثناء منقطعا.
ومعنى {أَبَى} امتنع اختيارا. {وَاسْتَكْبَرَ} طلب الكبرياء استعلاءً وادعاءً، فإن الكبرياءَ حق الله وحده.