.. فإن استعملها متسخطًا بها على ما نزل من قدر الله تعالى فهو محرم، ومن ذلك قوله تعالى عن بعض المنافقين أنهم قالوا: ? لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ?، وقوله تعالى عن بعضهم: ? الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ? ونحو ذلك، فهذا استعمال محرم، وذلك لما في الصحيح عن أبي هريرة ? أن رسول الله ? قال: (( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان ) )، وحقيقة النهي التحريم، ولأن هذا القول فيه إشعار بعدم الصبر على ما نزل من القدر ومن المعلوم أن الصبر على الأقدار المؤلمة واجب وضد الواجب المحرم وقولها مشعر بذلك فصار حرامًا، ولأنها سبب لفتح باب التحسر وزيادة الألم وندب الحظ وسبب لضعف القلب والتفاته إلى الأسباب وتعلقه بها، وهذا مضعف للتوحيد وهو من عمل الشيطان، ولأن قولها لن يدفع القدر النازل وإنما يزيده ضيقًا وألمًا، ولأن قولها فاتح لباب سوء الظن بالله جل وعلا وبحكمته البالغة، فهذا الدليل والتعليل يفيدان حرمة قولها بهذا الاعتبار وهو الحالة الأولى من أحوال استعمالها.
... الحالة الثانية: أن يقولها متطلعًا لها إلى المعصية، فيحرم أيضًا قولها، بل دل الدليل أنه مشارك لصاحب المعصية في الوزر كما في حديث: (( ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علمًا فهو ينفقه في معصية الله، ورجل لم يؤته علمًا ولا مالًا فقال: لو أن عندي مثل مال فلان لفعلت فيه مثل الذي فعل فهما في الوزر سواء ) )فهذا الأحمق الغبي الأخرق أثم بقوله هذا، مع أنه لم ينفق مالًا إذ لا مال عنده، لكن بتمنيه الآثم وتطلعه لفعل المعصية صار مشاركًا لصاحب المعصية.