والمعنى: أي تشابهت، وتماثلت، وتوافقت، قلوب هؤلاء المكذبين لك يا محمد! مع قلوب كفار الأمم الماضية المكذِّبين لأنبيائهم؛ أي: أشبهت قلوبهم بعضها بعضًا في الكفر، والقسوة، وطلب المحال، وإلّا لما تشابهت أقاويلهم الباطلة، وفي هذا تسليةٌ له - صلى الله عليه وسلم - {قَدْ بَيَّنَّا} ووضَّحنا {الْآيَاتِ} ؛ أي: الدلالات والمعجزات الدالَّة على صدقك، وصدق ما جئت به من الآيات القرآنية، والمعجزات الباهرة {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ؛ أي: لقوم ينصفون، فيوقنون، ويصدِّقون أنها آياتٌ يجب الاعتراف بها، والإذعان لها، والاكتفاء بها عن غيرها، أو المعنى {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ} أي: قد نزلناها بيّنة بأن جعلناها كذلك في أنفسها، كما في قولهم: سبحان من صغر البعوض، وكبَّر الفيل، لا أنّا بيَّناها بعد أن لم تكن بينةً {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ؛ أي: لقوم يطلبون اليقين، واليقين أبلغ العلم،
وأوكده بأن يكون جازمًا؛ أي: غير محتمل للنقيض، وثابتًا؛ أي: غير زائل بالتشكيك بعد أن يكون مطابقًا للواقع، فالإيقان هنا مجازٌ عن طلب اليقين على طريق ذكر السبب وإرادة المسبَّب، ولا بُعْد في نصب الدلائل لطلَّاب اليقين ليحصِّلوه بها، وإنّما حمل على المجاز؛ لأنّ الموقن بالمعنى المذكور لا يحتاج إلى نصب الدلائل، وبيان الآيات، فبيان الآيات له طلبٌ لتحصيل الحاصل.
وفي الآيات: إشارةٌ إلى أنَّهم ما قالوا ذلك لخفاء في الآيات، أو لطلب مزيد اليقين، وإنّما قالوه؛ عتوًّا وعنادًا، وحاصل الجواب من الله تعالى: إنّا قد أيَّدْنا نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالمعجزات، وبَيَّنَّا صدق ما جاء به بالآيات القرآنية، والمعجزات الباهرة، فكان طلب هذه الزوائد من باب التَّعنُّت، فإذا كان كذلك لم تجب إجابتها.