الأمم الماضية لأنبيائهم {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} ؛ أي: شبه قول هؤلاء لمحمد - صلى الله عليه وسلم - في التشديد، وطلب الآيات المقترحة، فقالت اليهود لموسى عليه السلام: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} وقالوا: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} وقالوا: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} وقالت النصارى لعيسى عليه السلام: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} ونحو ذلك ممَّا اقترحوه من أنبيائهم.
وقوله: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ} مع قوله: {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} على تشبيهين، تشبيه المقول بالمقول في المؤدَّى، والمحصول، وتشبيه القول بالقول في الصدور بلا رويّةٍ، بل بمجرد التشهي، واتباع الهوى، والاقتراح على سبيل التعنّت والعناد، لا على سبيل الإرشاد، وقصد الجدوى، والكاف في كذلك منصوب المحل على أنّه مفعول {قَالَ} وقوله: {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} مفعول مطلق؛ أي: قال كفار الأمم الماضية، مثل ذلك القول الذي قالوه قولًا مثل قولهم فيما ذكر، فظهر أنَّ أحد التشبيهين لا يغني عن الآخر {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} تماثلت قلوب هؤلاء ومَن قبلهم في العمى، والقسوة، والعناد، وهو استئنافٌ على وجه تعليل، تشابه مقالتهم بمقالة مَن قبلهم، فإنَّ الألسنة ترجمان القلوب، والقلب إن استحكم فيه الكفر، والقسوة، والعمى، والسفه، والعناد، لا يجري على اللسان إلّا ما ينبئ عن التَّعلُّل، والتَّباعد عن الإيمان. وقرأ ابن إسحاق، وأبو حيوة {تشَّابهت} بتشديد الشين وقال: أبو عمرو الدانيُّ، وذلك غير جائز؛ لأنّه فعل ماض، يعني: أنّ اجتماع التائين المزيدتين لا يكون في الماضي، إنّما يكون في المضارع، نحو: تتشابه، وحينئذٍ يجوز فيه الإدغام، أمَّا الماضي، فليس أصله: تتشابه، وقد مرَّ نظير هذه القراءة في قوله: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} وخرَّجنا ذلك على تأويلٍ لا يمكن هنا؛ فليطلب تأويلٌ لهذه القراءة.