غير ذوي العلم، وعبَّر عنه آخرًا بما يختصُّ بالعقلاء وهو لفظ {قَانِتُونَ} ؛ تحقيرًا لشأن العقلاء الذين جعلوا ولدًا لله سبحانه {قَانِتُونَ} خبرٌ عن كلٌّ؛ وجمع حملًا على المعنى، وكلٌّ إذا حذف ما تضاف إليه جاز فيها مراعاة المعنى فتجمع، ومراعاة اللفظ فتفرد، وإنّما حسنت مراعاة الجمع هنا؛ لأنّها فاصلة رأس آية؛ ولأنَّ الأكثر في لسانهم؛ أنّه إذا قطعت عن الإضافة، كان مراعاة المعنى أكثر وأحسن. قال: {وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} وقد جاء إفراد الخبر، كقوله: كلٌّ يعمل على شاكلته، وسيأتي هناك إن شاء الله تعالى، ذكر ما حسَّن إفراد الخبر.
والخلاصة: أي ليس الأمر كما زعموا، بل جميع ما في السماوات والأرض ملك له، قانت لعزته، خاضع لسلطانه، منقاد لإرادته، فما وجه تخصيص واحد منهم بالانتساب إليه، وجعله ولدًا مجانسًا له {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} ثمَّ إن الله سبحانه، يخصُّ من يشاء من عباده بما شاء من الفضل، كالأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ولكن هذا لا يرتقي بالمخلوق إلى أن يصل إلى مرتبة الخالق.
117 - {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؛ أي: هو سبحانه وتعالى مبدعهما، وموجدهما،
وخالقهما، ومنشئهما على غير مثال سبق، ولم يكونا شيئًا، على أنَّ البديع بمعنى: المبدع وهو الذي يبدع الأشياء؛ أي: يحدثها، أو ينشئها، على غير مثال سبق، والإبداع: اختراع الشيء لا عن شيء دفعةً؛ أي: من غير مادّةٍ ومُدّةٍ، أو المعنى: بديع سماواته وأرضه؛ أي: بدعت لمجيئهما على شكلٍ فائقٍ، حسنٍ غريبٍ، فعلى الأول: من أبدع، والإضافة معنويةٌ، وعلى الثاني: من بدع إذا كان على شكلٍ فائق، وحسنٍ رائقٍ، والإضافة لفظيةٌ، فهو من باب إضافة الصفة إلى منصوبها الذي كان فاعلًا في الأصل؛ لأنَّ الأصل بديعٌ سماواته وأرضه.