روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله عَزَّ وَجَلَّ: (كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له، فأمَّا تكذيبه إيَّاي، فزعم أنِّي لا أقدر أن أعيده كما كان، وأمَّا شتمه إيَّاي، فقوله: لي ولدٌ، فسبحاني أن أتَّخذ صاحبةً أو ولدًا) ولا فارق بين أن يكون هذا القول قد صدر من جميع أفراد الأمَّة، أو من بعضها، فإنَّ أفرادها متكافلون في كلّ ما يعملون، وما يقولون ممَّا يعود أثره من خيرٍ أو شرٍّ إلى الجميع {بَل} ليس الأمر كما زعموا {لَهُ} سبحانه وتعالى عبيدًا وملكًا {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؛ أي: جميع ما فيهما، والملكية تنافي الولدية، فكيف ينسب إليه الولد، وهو داخل فيهما؟ بل هو خالق جميع الموجودات علويًّا وسفليًّا، التي من جملتها عزيرٌ، والمسيح، والملائكة، وهذا ردٌّ لما قالوه، واستدلالٌ على فساده، فإنَّ الإضراب عن قول المبطلين معناه: الردُّ، والإنكار، وفي"الوسيط" {بَلْ} ؛ أي: ليس الأمر كما زعموا، والمعنى: إنه خالق ما في السماوات والأرض جميعًا، الذي يدخل فيه الملائكة، وعزيرٌ، والمسيح، دخولًا أوّليًّا، فكان المستفاد من الدليل، امتناع أن يكون شيء ٌ ما مما في السماوات والأرض ولدًا، سواءً كان ذلك ما زعموا أنّه ولدٌ، أم لا {كُلٌّ} ؛ أي: كُلُّ ما فيهما من أولي العلم، وغيرهم {لَهُ} ؛ أي: لله سبحانه وتعالى {قَانِتُونَ} جمع الخبر اعتبارًا لمعنى كلٍّ؛ أي: منقادون، ولا يمتنع شيء ٌ منهم، ولا يستعصي على مشيئته، وتكوينه، وتقديره، ومطيعون له طاعة تسخير وقهرٍ، فالجماد مسخَّر لما أراد الله منه، فالطاعة هنا: طاعة الإرادة والمشيئة، لا طاعة العبادة، أو مقروُّن له بالعبوديَّة والتوحيد، وكل ما كان بهذه الصفة لم يجانس مكوِّنه الواجب لذاته، فلا يكون له ولدٌ؛ لأنّه من حقّ الولد أن يجانس والده، وإنّما عبَّر عن جميع الموجودات أوّلًا بما يعبَّر به عن