وهذه حجة أخرى لإبطال مقالتهم الشنيعة، تقريرها: إنّ الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال مادّته عنه، والله تعالى مبدع الأشياء كلها على الإطلاق، منزَّهٌ عن الانفعال، فلا يكون والدًا، ومن قدر على خلق السماوات والأرض من غير شيء ، كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أب؟! والمعنى: هو سبحانه وتعالى، موجدهما اختراعًا وابتكارًا لا على مثال سابق، وإذا كان هو المبدع لهما، والموجد لجميع من فيهما، فكيف يصحُّ أن ينسب إليه شيء ٌ منهما على أنّه مجانسٌ له؟! تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وقرأ الجمهور: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} بالرفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف، وقرأ المنصور بالنصب على المدح، وقرئ بالجر على أنّه بدل من الضمير في {لَهُ} {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} ؛ أي: وإذا أراد سبحانه وتعالى إيجاد أمر من الأمور، وإحداث شيء من الأشياء {فَإِنَّمَا يَقُولُ} سبحانه {لَهُ} ؛ أي: لذلك الذي أراد إيجاده {كُنْ} ؛ أي: احْدُث {فيكون} ؛ أي: فذلك الأمر المأمور، يكون، ويحدث من غير توقُّفٍ، ولا إباءٍ، وبلا مهلةٍ، وتأخُّرٍ، وأصل القضاء: الأحكام، أطلق هنا على الإرادة الإلهيَّة المتعلقة بوجود الشيء ؛ لإيجابها إيّاه ألبتة، والأمر واحد الأمور، و {كُنْ} و {يكون} هنا: من كان التامة بمعنى:
أحدث يحدث. ففي هذه الجملة: تقرير معنى الإبداع، وذلك أنَّ اتخاذ الولد ممَّا يكون بأطوار، ومهلةٍ، وفعله تعالى يستغني عن ذلك، وقوله {كُنْ} تمثيلٌ لسهولة حصول المقدورات بحسب تعلُّق مشيئته تعالى، وتصويرٌ لسرعة حدوثها من غير توقُّفٍ، ولا تأخُّرٍ، كطاعة المأمور المطيع للأمر القويِّ المطاع، ولا يكون من المأمور الإباء.