وأما أنه لا أظلم منه فلأنه إن كان مشركاً فقد جمع مع شركه هذه الخصلة الشنعاء فلا أظلم منه ، وإن كان يدعي الإسلام ففعله مناقض لقوله ، لأن من اعتقد أن لو معبوداً عرف وجوب عبادته له عقلاً أو شرعاً ، والعبادة تستدعي متعبداً لا محالة . فتخريب المتعبد ينبئ عن إنكار العبادة وإنكار العبادة يستلزم إنكار المعبود ، فهذا الشخص لا يكون فِي الحقيقة مسلماً وإنما هو منخرط فِي سلك أهل النفاق ، والمنافق كافر أسوأ حالاً من الكافر الأصلي بالاتفاق {أولئك} المانعون {ما كان لهم} أي ما ينبغي لهم {أن يدخلوها} فِي حال من الأحوال {إلا خائفين} على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها . والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم . وقيل: هذه بشارة للمؤمنين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد ، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخلوا المسجد الحرام إلا خائفين من أن يعاقبوا أو يقتلوا إن لم يسلموا . وقد أنجز الله هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام ونادى فيهم عام حج أبو بكر: ألا لا يحجن بعد العام مشرك . وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود من جزيرة العرب ، وصار بيت المقدس فِي أيدي المسلمين . وقيل: يحرم عليهم دخول المسجد إلا فِي أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمحاكمة أو المخاصمة أو المحاجة . وقيل: اللفظ خبر ولكن معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} [الأحزاب: 53] فمن هنا قال مالك: لا يجوز للكافر دخول المساجد . وخصص الشافعي المنع بالمسجد الحرام لجلالة قدره ومزيد شرفه ، للتصريح بذلك فِي قوله {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] . وجوز أبو حنيفة دخول المساجد كلها لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قدم عليه