وثانيها: أن هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد ، وأنه يذل المشركين لهم حتى لايدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب ، أو يقتل أن لم يسلم ، وقد أنجز الله صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام ، ونادى فيهم عام حج أبو بكر رضي الله عنه: ألا لا يحجن بعد العام مشرك ، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود من جزيرة العرب ، فحج من العام الثاني ظاهراً على المساجد لا يجترئ أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام ، وهذا هو تفسير أبي مسلم فِي حمل المنع من المساجد على صدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام عام الحديبية ويحمل هذا الخوف على ظهور أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وغلبته لهم بحيث يصيرون خائفين منه ومن أمته.
وثالثها: أن يحمل هذا الخوف على ما يلحقهم من الصغار والذل بالجزية والإذلال.
ورابعها: أنه يحرم عليهم دخول المسجد الحرام إلا فِي أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمخاصمة والمحاكمة والمحاجة ، لأن كل ذلك يتضمن الخوف والدليل عليه قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شاهدين على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17] .
وخامسها: قال قتادة والسدي: قوله: {إِلاَّ خَائِفِينَ} بمعنى أن النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين ، ولا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ضرباً وهذا التأويل مردود ، لأن بيت المقدس بقي أكثر من مائة سنة فِي أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفاً ، إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين رحمه الله فِي زماننا.