أما أبو مسلم الأصفهاني من علماء التفسير المتوفى سنة 322 هـ، فإنه أجاز النسخ مطلقا بين الشرائع، كما هو المشهور عنه، ولكنه منع وقوعه في الشريعة الواحدة، مستدلا بقول الله تعالى في صفة القرآن: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت 41/ 42] فلو وقع النسخ في القرآن، لأتاه الباطل. وأجيب بأن النسخ إبطال، لا باطل، لأن النسخ حقّ وصدق، والباطل ضدّ الحقّ، كل ما في الأمر أن يصبح حكم المنسوخ غير معمول
به، فلا دلالة في الآية على مطلوب الأصفهاني.
ثم إن كل آية قيل فيها: إنها منسوخة، فإنه يؤولها تأويلا إما بالتخصيص، أو بانتهاء أمد الحكم الشرعي، أو بالتقييد ببعض الأحوال، أو الأشخاص، ونحو ذلك، كما فعل في آيات العدة وآيات القتال وغيرها الآتية.
أنواع النسخ:
للنسخ أحوال تسع أهمها ثلاث:
1 -نسخ التلاوة والحكم معا: مثل نسخ صحف إبراهيم وموسى والرسل السابقين، ومثل نسخ عدد الرضعات من عشر إلى خمس،
قالت عائشة رضي الله عنها كما في صحيح مسلم وغيره: «كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخن بخمس رضعات، فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهن فيما يتلى من القرآن»
والقسم الأول منسوخ الحكم والتلاوة، والقسم الثاني وهو الخمس منسوخ التلاوة باقي الحكم عند الشافعية.
2 -نسخ التلاوة دون الحكم: مثل قول عمر رضي الله عنه: «كان فيما أنزل:
الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة، نكالا من الله ورسوله» ثبت في الصحيح: أن هذا كان قرآنا يتلى، ثم نسخ لفظه، وبقي حكمه.
وأضاف الحنفية أمثلة أخرى من القراءات الشاذة، مثل قراءة ابن مسعود في صوم كفارة اليمين: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وقراءة ابن عباس: «فأفطر فعدّة من أيام أخر» وقراءة سعد بن أبي وقاص: «وله أخ أو أخت لأم، فلكل واحد منهما السدس» .
3 -نسخ الحكم دون التلاوة: وهو كثير، مثل نسخ حكم آية الوصية للوالدين والأقربين، ونسخ آية الاعتداد بحول كامل، ونسخ آية الحبس للمرأة في
البيوت، وإيذاء الرجل باللسان في حدّ الزنا، ونسخ آية تقديم الصدقة قبل مناجاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم.