وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى. ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه ، مع علمهم بخلاف ذلك ؛ ولهذا قال تعالى: {وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} أي: وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل ، كل منهما قد كانت مشروعة فِي وقت ، ولكن تجاحدوا فيما بينهم عنادًا وكفرًا ومقابلة للفاسد بالفاسد ، كما تقدم عن ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة فِي الرواية الأولى عنه فِي تفسيرها ، والله أعلم.
وقوله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} يُبَيِّن بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا من القول ، وهذا من باب الإيماء والإشارة. وقد اختلف فيما عنى بقوله تعالى: {الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} فقال الربيع بن أنس وقتادة: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} قالا وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم. وقال ابن جُرَيج: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون ؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل. وقال السدي: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} فهم: العرب ، قالوا: ليس محمد على شيء .
واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامة تصلح للجميع ، وليس ثمَّ دليل قاطع يعين واحدًا من هذه الأقوال ، فالحمل على الجميع أولى ، والله أعلم.