ولما جمعهم فِي المقالة الأولى ، وهي: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} ، فصلهم فِي هذه الآية ، وبين قول كل فريق فِي الآخر.
وعلى شيء: فِي موضع خبر ليس ، ويحتمل أن يكون المعنى: على شيء يعتد به فِي الدين ، فيكون من باب حذف الصفة ، نظير قوله:
لقد وقعت على لحم ...
أي لحم منيع ، وأنه ليس من أهلك ، أي من أهلك الناجين ، لأنه معلوم أن كلاً منهم على شيء ، أو يكون ذلك نفياً على سبيل المبالغة العظيمة ، إذ جعل ما هما عليه ، وإن كان شيئاً كلا شيء .
هذا والشيء يطلق عند بعضهم على المعدوم والمستحيل ، فإذا نفى إطلاق اسم الشيء على ما هم عليه ، كان ذلك مبالغة فِي عدم الاعتداد به ، وصار كقولهم أقل من لا شيء .
{وهم يتلون الكتاب} : جملة حالية ، أي وهم عالمون بما فِي كتبهم ، تالون له.
وهذا نعي عليهم فِي مقالتهم تلك ، إذ الكتاب ناطق بخلاف ما يقولونه ، شاهدة توراتهم ببشارة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، وصحة نبوّتهما.
وإنجيلهم شاهد بصحة نبوة موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، إذ كتب الله يصدق بعضها بعضاً.
وفي هذا تنبيه لأمّة محمد صلى الله عليه وسلم فِي أن من كان عالماً بالقرآن ، يكون واقفاً عنده ، عاملاً بما فيه ، قائلاً بما تضمنه ، لا أن يخالف قوله ما هو شاهد على مخالفته منه ، فيكون فِي ذلك كاليهود والنصارى.
والكتاب هنا قيل: هو التوراة والإنجيل.
وقيل: التوراة ، لأن النصارى تمتثلها.
{كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} : الذين لا يعلمون: هم مشركو العرب فِي قول الجمهور.
وقيل: مشركو قريش.
وقال عطاء: هم أمم كانوا قبل اليهود والنصارى.
وقال قوم: المراد اليهود ، وكأنه أعيد قولهم: أي قال اليهود مثل قول النصارى ، ونفى عنهم العلم حيث لم ينتفعوا به فجعلوا لا يعلمون.
والظاهر القول الأول.
وقال الزمخشري: أي مثل ذلك الذي سمعت على ذلك المنهاج.