يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لِهَؤُلَاءِ الْكَثِيرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَوَدُّونَ أَنَّهُمْ يَرُدُّونَكُمْ كُفَّارًا مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمُ الْحَقُّ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ وَالْمِلَّةِ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا فَأضَاءَ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ الْحَقَّ الَّذِي لَا يَمْتَرُونَ فِيهِ
وقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:" {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} قَالَ: قَدْ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ"
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَدَلَّ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أَنَّ كُفْرَ الَّذِينَ قَصَّ قِصَّتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ عِنَادٌ، وَعَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ وَمَعْرِفَةٍ، بِأَنَّهُمْ عَلَى اللَّهِ مُفْتَرُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاعْفُوا} فَتَجَاوَزُوا عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ إِسَاءَةٍ وَخَطَأٍ فِي رَأْيٍ أَشَارُوا بِهِ عَلَيْكُمْ فِي دِينِكُمْ، إِرَادَةَ صَدِّكُمْ عَنْهُ، وَمُحَاوَلَةَ ارِتِدَادِكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ وَعَمَّا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ قِيلِهِمْ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} وَاصْفَحُوا عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ جَهْلٍ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، فَيُحْدِثُ لَكُمْ مِنْ أَمْرِهِ فِيكُمْ مَا يَشَاءُ، وَيَقْضِي فِيهِمْ مَا يُرِيدُ. فَقَضَى فِيهِمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَأَتَى بِأَمْرِهِ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . فَنَسَخَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْعَفْوَ عَنْهُمْ وَالصَّفْحَ بِفَرْضِ قِتَالِهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى تَصِيرَ كَلِمَتُهُمْ وَكَلِمَةَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةً، أَوْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ صَغَارًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}