وَفِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِتَابٌ مِنْهُ لَهُمْ عَلَى أَمْرٍ سَلَفَ مِنْهُمْ مِمَّا سُرَّ بِهِ الْيَهُودُ وَكَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ، فَكَرِهَهُ اللَّهُ لَهُمْ. فَعَاتَبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْيَهُودَ أَهْلُ غِشٍّ لَهُمْ وَحَسَدٍ وَبَغْيٍ، وَأَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ لَهُمُ الْمَكَارِهَ وَيَبْغُونَهُمُ الْغَوَائِلَ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْتَصِحُوهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ فَاسْتَبْدَلَ بِإِيمَانِهِ كُفْرًا فَقَدْ أَخْطَأَ قَصْدَ السَّبِيلِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}
أَمَّا قَوْلُهُ: {فَقَدْ ضَلَّ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ ذَهَبَ وَحَادَ. وَأَصْلُ الضَّلَالِ عَنِ الشَّيْءِ: الذَّهَابُ عَنْهُ وَالْحَيْدُ. ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّيْءِ الْهَالِكِ وَالشَّيْءِ الَّذِي لَا يُؤْبَهُ لَهُ كَقَوْلِهِمْ لِلرَّجُلِ الْخَامِلِ الَّذِي لَا ذِكْرَ لَهُ وَلَا نَبَاهَةَ: ضَلُّ بْنُ ضَلٍّ، وَقُلُّ بْنُ قُلٍّ كَقَوْلِ الْأَخْطَلِ فِي الشَّيْءِ الْهَالِكِ:
[البحر الكامل]
كُنْتَ الْقَذَى فِي مَوْجِ أكدَرَ مُزْبِدٍ ... قَذَفَ الْأَتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَالَا
يَعْنِي: هَلَكَ فَذَهَبَ. وَالَّذِي عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} فَقَدْ ذَهَبَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ وَحَادَ عَنْهُ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {سَوَاءَ السَّبِيلِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالسَّوَاءِ: الْقَصْدُ وَالْمَنْهَجُ، وَأَصْلُ السَّوَاءِ: الْوَسَطُ؛ ذُكِرَ عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ النَّحْوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «مَا زِلْتُ أَكْتُبُ حَتَّى انْقَطَعَ سَوَائِي» ، يَعْنِي وَسَطِي.
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
[البحر الكامل]
يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَنَسْلِهِ ... بَعْدَ الْمُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ الْمُلْحَدِ