وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك، وتوسيع دائرة الريب على من فِي قلبه مرض، أو كان مرضه مجرد الجهل، والقصور، فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون فِي التناسب بين جميع آي القرآن، ويفردون ذلك بالتصنيف، تقرّر عنده أن هذا أمر لا بد منه، وأنه لا يكون القرآن بليغاً معجزاً إلا إذا ظهر الوجه المقتضى للمناسبة، وتبين الأمر الموجب للارتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات، فرجع إلى ما قاله المتكلمون فِي ذلك، فوجده تكلفاً محضاً، وتعسفاً بيناً انقدح فِي قلبه ما كان عنه فِي عافية، وسلامة، هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتباً على هذا الترتيب الكائن فِي المصحف؛ فكيف، وكل من له أدنى علم بالكتاب، وأيسر حظ من معرفته يعلم علماً يقيناً أنه لم يكن كذلك، ومن شك فِي هذا، وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم، رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول، المطلعين على حوادث النبوّة، فإنه ينثلج صدره، ويزول عنه الريب، بالنظر فِي سورة من السور المتوسطة، فضلاً عن المطوّلة؛ لأنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت فِي حوادث مختلفة، وأوقات متباينة لا مطابقة بين أسبابها وما نزل فيها فِي الترتيب، بل يكفي المقصر أن يعلم أن أوّل ما نزل:
{اقرأ باسم رَبّكَ الذي خَلَقَ} [العلق: 1] وبعده {ياأَيُّهَا المدثر} [المدثر: 1] {ياأَيُّهَا المزمل} [المزمل: 1] وينظر أين موضع هذه الآيات، والسور فِي ترتيب المصحف؟