ومنه أنه أخبر بما لم يكن له ولا لهم به علم ، من اختصام الملأ الأعلى - وهم الملائكة - فِي شأن آدم عليه السلام . {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} وإنما كان الاختصام بمخالفة إبليس لجميع الملائكة بإبائه واستكباره من أمر ربه .وهذا الاختصام غير الاختصام المذكور فِي الحديث الحسن الذي رواه الترمذي وغيره عن النبي صلي الله عليه وسلم:"رأيت ربي فِي المنام فِي أحسن صورة"الحديث وفيه ذكر اختصام الملأ الأعلى فِي الكفارات والدرجات فهذا اختصام آخر غير مذكور فِي سورة ص والله أعلم .وقد جعل الله سبحانه إخبار نبيه صلي الله عليه وسلم بهذا الغيب من اختصام الملأ الأعلى دليلاً علي صحة الإيحاء إليه مما يستلزم قبول خبره وإنذاره ، فقال آمرًا نبيه صلي الله عليه وسلم أن يقول: {إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} ، ثم ذكر تفاصيل اختلاف الملأ الأعلى حين أخبرهم ربهم أنه خالق بشرًا من طين: أي أصل مادته من طين: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} أي إذا أكملت خلقه بيدي ، ونفخت فيه من الروح المخلوقة التي نسبها إليه سبحانه تشريفًا وتكريمًا: {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} ، فعندما تم خلق آدم وعلمه أسماء كل شيء ، وظهر فضله بتكريم الله إياه أمر الملائكة بالسجود ؛ فسجدوا كما دلت عليه آيات سورة البقرة ؛ فالأمر الأول قبل خلقه؛ ليوطنوا أنفسهم علي السجود ، وضمنه عز وجل من أدله تكريمه ؛ وهي أن الله سواه ونفخ فيه من روحه ، ولما تم الخلق والتعليم أمرهم أمرًا علي الفور بالسجود: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} أي كان فِي علم الله من الكافرين ، أو صار من الكافرين ، وذكر ها هنا استكبار إبليس ، وذكر فِي سؤاله له الرد علي كبره ؛ بيان تكريم الله لآدم بالتصريح