{قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} هذا اسنئناف وقع جوابا عن سؤال تنساق! ليه الأذهان، كأَنه قيل: فماذا قالت الملاتكة بعد آن أخبرهم الله بقوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} ؟ فقيل جوابا لهذا السؤال: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ... } إلخ.
والمعنى: أنجعل فيها خليفةَ: مَن يفسد فيها؟ وقد عرفوا ذلك، إمّا قراءةً من اللوح المحفوظ الما سجل من مستقبل أعمالهم، وائا قياسًا لهم على من كان قبلهم، وهم الذين أَهلكهم الله وأحلهم محلهم، وائا من الغرائز التي سيخلقون بها، فإنها قد تدعو إلى الفساد.
والاستفهام ظاهره تعجب الملائكة من أنه تعالى، سيجعل في الأرض مَن يفسد فيها، أو
الاعتراض على ذلك وانكاره. ولكن هذا الظاهر كير مراد؛ لأن الملائكة كما قال تعالى:
{ ... عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} بل هو استفهام تعجب، قالو. استكشافًا لما خفِىَ عليهم من الحكم في خلق من بفسدون في الأرض، واستخبارًا عما يزيح شبهتهم، ويشدهم إلى معرفة ما في آدم من الفضائل الق جعلته أهلا للخلافة هو وذريته، كسؤال المتعلم أستاذ. عما ينقدح في ذهنه؛ ليعلم الجواب فيستريح.
فليس سؤَالهم اعتراضًا على الله، ولا شكًّا في اشتمال جعله خليفته في الأرض على الحكم والمصالح.
{وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} : أي يقتل النفوس التي يحرم قتلها، والتعبير عنه بسفك الدماءِ، لأنه اقبح أنواع القتل.
{وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} : هذه الجملة مقررة للتعجب السابق، ومؤَكدة
له، كأنه قيل: أتستخدم مَن شأن ذريته الفساد، مع وجود من هو مجتهد في طاعتك لا يعصيك أَبدا؟
والمقصود عرض أحقيتهم بالخلافة كما فهموا، والاستفسار عما رَجَّحَ بني آدم عليهم، مع ما يتوقع منهم من الفساد؛ ليعرفوا حكمته من الحكيم الخبير: الذي يضع كل شئ في موضعه.