إن قيل: كيف عرض تعالى بتكذيبهم فيما ادعوه وقد صدق الفريقان على قول المسلمين ؟ قيل: ليس قول أحد الفريقين بسديد من وجه ، إذ قد بتوا الحكم وليس ذلك على البت والقطع ، فلكا الفريقين فِي وقت وعلى وجه على حق ، على أن القصد بالآية الدلالة على جهلهم وتخبطهم مع تشاركهم فِي قراءة التوراة دالة على ما اختلفوا فيه ، فبين أن كلا الفريقين حائد عن الطريق ، وأنهم فِي الجهل أو التجاهل
كالمشركين الذين لا كتاب لهم فِي دعواهم على أهل الكتابي والمسلمين أنهم ليسوا على شي ، ثم توعد الفريقين بحكمه بينهم [يوم القيامة] وقد أبهم حكمه فيدخل فيه كل قول قالوه من قول من قال: عني إنصاف المظلوم من الظالم ، وقول من قال: عني تعريف المكذب من المكذَّب ، وقول من قال: مثل قوله {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} .
قوله - عز وجل -:
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}
الآية (114) - سورة البقرة.
المنع ، أن يحال بين من المراد ومريده ، ولما كان الشيء قد يمنع ضناَ به صار المنع متعارفاً فِي المتنافس فيه ، والسعي مشيء بسرعة ، وهو دون العدو ، وخص بأنواع من السعي منها: السعاية ، أي الوشاية وسعي العبد فِي اكتساب ما يعتق به والتصرف ، للتكسب ، ولجباية الصدقة حتى صار الساعي معروفة فِي جابي الصدقة ، وجعل المساعدة كناية عن الفجور بالأمة والخراب ضد