بالدماء، وإن كان جرذا مسنا، لم يضع عليه سنا، وإن كان درصا صغيرا فغر عليه فاه، وقبض مترفقا على قفاه، ليزداد منه تشهيا، وبه تلهيا، ثم يتلاعب به تلاعب الفرسان بالأعنة، والأبطال بالأسنّة، فإذا أوجعه عضّا، وأوعبه [1] رضّا، أجهز في الفور عليه، وعمد بالأكل إليه، فازدرد منه أطيب طعمة، واعتقده أهنأ نعمة، ثم أظهر بالالتعاق شكره، وأعمل في غيره فكره، فرجع إلى حيث أثاره، وتتبّع آثاره، راجيا أن يجد في رباعه، ثانيا من أتباعه، فيلحقه بصاحبه في الردى، حتى يفني جميع العدى، وربما انحرف عن هذه العوائد، والتقط القتات من حول الموائد، إبلاغا في الاحتماء، وبروزا في النعماء، فما له على خصاله ثمن، ولا جاء بمثاله زمن.
وقد أوردت أدام الله عزك من وصفه فصلا معربا [2] ، وهزلا مطربا، إخلاصا من الطوية واسترسالا، وتسريحا للسجية وإرسالا، على أني إذا استعرت في لغته لسان أبي عبيد، وأظهرت في صفته شأن أبي زبيد، ما انتهيت في النطق إلى نصابك، ولا احتويت في السبق على قصابك [3] ، والله تعالى يبقيك لثمر النبل جانيا، ولدرج الفضل بانيا، ما طلع في أفق بدر، وانطبق على قلب صدر، إن شاء الله تعالى.
وكتب معزيا:
كتبت أعزك الله والجوانح ملتهبة، واللوعة للسلو منتهبة، والدموع متسربة، والضلوع مضطربة، لوفاة من هدت [ركن] [4] المجد وفاته، وأعيت الواصف صفاته، وأحسنت مساعيه، وأخصبت للرائد مراعيه، فوا رحمة للحسب قبضت روحه، وللأدب ركدت ريحه، وللذكاء خبت شعله، وللعلاء تمزّقت حلله، لقد نصب من الصبر عدّه، وعاد شحاحا زنده، وذوى عراره المتنسم [ورنده] [4] ، وحق له أن يقفر ضلوعا، ولا
(1) ق: أرعبه
(2) ق: مغربا
(3) ق: فضائلك
(4) سقط ما بين المعقفين من الأصل.