يصير نده، أنفة من جنابه أن يطرق، وغيرة على حجابه أن يخرق، فإذا رأى فيه هرا، أوجف إليه مكفهرا، فدافعه بالساعد الأشد، ونازعه منازعة الخصم الألد، فإذا أطال مفاوضته، وأدام مراوضته، أبرز برثنه لمبادرته، وجوشنه لمصادرته، ثم تسلّل إليه لواذا، واستحوذ عليه استحواذا، فشد عليه شدّة، وضمّه من غير مودّة، فأطار وبره نسالا، وأرسل دمه إرسالا، بأنياب عصل، أمضى من النصل، ومخلب كمنقار الصقر، درب للاقتناص والعقر [1] ، ففر قرنه ممزق الإهاب، مستبصرا في الذهاب، قد أفلت من بين أظفار وناب، ورضي من الغنيمة بالإياب، هذا وهو يخاتله دون جنّة، ويقابله بلا سيوف ولا أسنة، وإنما جنّته، منّته، وشفاره، أظفاره، وسنانه، أسنانه، إذا سمعت الفأر منه مغاء، لم تستطع له إصغاء، وتصدّعت قلوبها من الحذر، وتفرقت شذر مذر، تهجع العيون وهو ساهر، وتستثير الشخوص وهو ظاهر، يسري من عينيه بنيرين وضاحين، تخالهما في الإظلام مصباحين، يسوف الأركان، ويطوف في كل مكان، ويحكي في ضجعته السّوار تحنّيا، وقضيب الخيزران تثنيا، يغط إذا نام، ويتمطى إذا قام، لا يكون للنار مستدفئا، ولا للقدر مكفئا، (ولا في الرماد مضطجعا، ولا للجار منتجعا) [2] بل يدبر بكيده، ويقتصر على صيده، قد تمرد مقتل الأحناش والخشاش، وافترس الطير في المسارح والأعشاش، فيستقبل بمشمّه، ويجعل الاستدلال أكبر همّه، ثم يكمن للفأر حيث يجد لها عيثا، أو يسمع لها عوثا، أو يلمح [3] منها ريثا، فيلصق بالأرض، وينطوي بعضه في بعض، حتى يستوي منه الطول والعرض، فإذا تشوفت الفأر في جحرها، وأشرفت بنحرها وصدرها، دب إليها دبيب الصل، وامتد نحوها امتداد الظل، ثم وثب في الحين عليها، وجلب الحين إليها، فأثخنها جراحا، ولم يعطها براحا، فصاحت من شدة أسره، وقوّة كسره، وكلما كانت صيحتها أمد، كانت قبضته عليها أشد، حتى يستأصل أوداجها فريا، وعظامها بريا، ثم يدعها محرجة الذماء، مضرجة
(1) ق: فقر؟
(2) [ما بين القوسين موجود في الاصل، وأغفله المحقق] .
(3) [في الاصل: يلج] .