ذكره اليسع وقال: وزر لعبد المؤمن سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، ليس هذا ذاك فإن وزير عبد المؤمن هو ابن عطية [2] ، ومصنف القلائد وصفه بالعقل والإصابة والإجادة في الكتابة لكنه كان منحوسا غير مبخوت [3] وقد أورد من نثره ما يدل على كرم فرنده وجودة أثره فمن ذلك وقد أهدى إليه ورد [4] :
زارنا الورد بأنفاسك، وسقانا مدامة الأنس من كاسك، وأعاد لنا معاهد الأنس جديدة، وزفّ إلينا من فتيات البرّ خريدة، واحمرّ حتى خلته شفقا، وابيض حتى أبصرته من النور فلقا، وأرج [5] حتى قلت: أرج [6] المسك في ذكائه، وتضاعف حتى قلت الورد من حيائه [7] ، فليتصور شكرى [8]
فى رؤاه [9] وليتخيّله [10] نفحته وريّاه [11] إن شاء الله تعالى.
(1) شيوع الكنى والألقاب والاكتفاء بها يجعل من العسير علينا تحديد شخصية المترجم له، بل إن القدماء أنفسهم وقعوا في هذا كما وقع فيه أبو يحيى اليسع بن عيسى بن اليسع صاحب كتاب المعرب في آداب المغرب ومع أن المصنف نبه إلى هذا إلا أنه ترك الأمر مبهما.
(2) يشير إلى التباس ترجمته بترجمة أبى جعفر أحمد بن عطية كاتب عبد المؤمن بن على أمير الموحدين ووزيره وكان يثق به ويفوض إليه أموره حتى نقم عليه فقتله سنة 553هـ ومن الطبيعى أنه غير المترجم له كما نبه المصنف إلى ذلك.
(3) وردت حروف هذه الكلمة بالأصل مهملة غير معجمة وقد صححناها بما يناسب المقام المبخوت: صاحب الحظ الحسن
(4) ذكر صاحب القلائد أن الذى أهدى إليه الورد هو أبو عبد الرحمن بن طاهر، وهو محمد بن أحمد بن إسحق بن طاهر أمير مرسية وأحد الكتاب والشعراء المرموقين بالأندلس، فر أمامه جيش المعتمد بن عباد، وأقام لاجئا في بلنسية حتى توفى سنة 507هـ.
(5) أرج المسك: فاح طيبه.
(6) فى القلائد: حتى كأن المسك في ذكائه.
(7) قلت: هلك، والمعنى: إن عطر هذه الباقة تزايد حتى خجلت جميع الورود من مناظرته فهلكت حياء أو إن هذا الورد جاء برائحته العطرية وبالغ في بذل أنفاسه حتى خر صريعا وعلى هذا المعنى الأخير يكون التعبير «قلت الورد من حبائه» أى عطائه، وفى القلائد حتى قلت من حيائه.
(8) فى الأصل: سكرى، وقد آثرنا رواية القلائد.
(9) فى القلائد: مرآه، وفى الأصل رواه، ولعلها محرفة عن رؤاه، والرؤا: مقصور الرؤاء وهو المنظر الحسن الجميل، وقد تسهل الهمزة فيصبح الرواء.
(10) فى الأصل: ولينبله والتصويب عن القلائد أو لعلها وليخله.
(11) الريا: الرائحة الجميلة.