نضب من الصبر عدّه [1] ، وعاد شحاحا [2] زنده، وذوى عراره المتنسّم وحقّ له أن يقفر ضلوعا، ولا يظهر في سماء الجزع طلوعا، وقد تعطل الزمن ممن كان في لبّته حليا، وفى فمه ضربا وأريا، وفى حرّه نسيما، وفى كئوسه خمرا وتسنيما.
ومنها: ومما كفّ اللوعة عن مجده، وخفّف لذعة وجده، أنه أودى وقد استوفى طلقه، ولبس العمر حتى أخلقه، وسحب أذيال تمنّيه، وصحب الدهر حتى كاد يفنيه، ومضى وما حملته المنسأة [3] ولا ملته الأساة، ولا شجيت بالعيش نفسه شجو لبيد [4] ، ولا أقفر من أهله عبيد [5] ولا ذوى من جدب غرسه ولا ملّ كما ملت صخرا سليمى عرسه [6] ، وهى المنية لا يثنيها التعمير، ولا يصرفها التأميل بل والتأمير، فقد مضى من كانت السيوف له يقمن وينحنين،
(1) فى الأصل: نصب من الصبر مدة، ولعل الصواب ما أثبتناه العد: الماء الجارى.
(2) فى الأصل: وعاد شماحا، وهو تحريف.
(3) المنسأة: العصا، وفى الأصل: النسأة وهو تحريف، وقد خفف الكاتب الهمزة مراعاة للسجع.
(4) عاش لبيد عمرا طويلا في الجاهلية والإسلام. وفى طول عمره يقول:
ولقد سلمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس: كيف لبيد؟
(5) يشير إلى مصرع عبيد بن الأبرس حين قتله النعمان بن المنذر، وقال له قبل قتله أنشدنى في قصيدتك:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطيبات فالذنوب
فقال له:
أقفر من أهله عيد ... فاليوم لا يبدى ولا يعيد
(6) يشير إلى صخر بن عمرو أخى الخنساء الشاعرة. طال مرضه فسهرت عليه أمه أما زوجته فبرمت وكانت تجيب من يسأل عنه بقولها: لا حى فيرجى، ولا ميت فينعى، فقال صخر من أبيات:
أرى أم صخر ما تمل عيادتى ... وملت سليمى مضجعى ومكانى