وأفضى بنا الركب إلى رملة بيضاء مفضية إلى قرارة خضراء تتفجّر فيها عين كعين زرقاء، صفاء مائها، كصفاء إنسانها، وقد أحدق بها النبت كهدب أجفانها فملنا في نميرها، وكرعنا في غديرها وركزنا رماح الخطّ وجعلنا عالينا رياط العصب [1] ، وافترشنا مطارف الوشى، فوق درانك العشب [2]
وجعلنا من اللّجم [3] أوتادا موتودة، واتخذنا من الأعنة أسبابا [4] ممدودة، فقام الخباء واستوى البناء، [5] والماء يقهقه في خريره، والقمرى يقرقر في هديره، والنسيم يعبق عن الروض الذكى، والجو مضمخ بزعفران العشىّ:
تشدو بعيدان الأراك حمامة ... شدو القيان عزفن بالأعواد [6]
مال النسيم بغصنه، فتمايلت ... مهتزّة الأعطاف والأجياد
هذى تودع تلك توديع التى ... قد أيقنت منها بوشك بعاد
واستعبرت لفراقه عين النّدى ... فابتل مئزر غصنها الميّاد
وإنا لكذلك إذ برقت السماء، فسلّت مذهب نصولها، ورعدت فصربت منذر طبولها [7] وجعل الغمام يعبىء مواكبه، وأخذ الرباب يرتب كتائبه، فبعدما
(1) فى الأصل رباط العصب وهو تحريف. الرياط: جمع ريطة وهى كل ملاءة غير ذات لفقين كلها نسج واحد أو قطعة واحدة، أو كل ثوب لين رقيق، والعصب ضرب من الأنسجة
(2) الدرانك: الطنافس.
(3) فى الأصل من اللجم والسياق يرجح ما أثبتناه، يريد أنهم أقاموا خباء مؤقتا يسمرون فيه فجعلوا حدائد اللجم أوتادا وأعنة الخيل حبالا وبهذا استوى البناء. اللجم: جمع لجام.
(4) الأسباب: الحبال
(5) فى الأصل: فقام الجنا واستوى إلينا ولعل الصواب ما أثبتناه.
(6) فى الأصل يشدوا لقيان غرض ولعل الصواب ما أثبتناه.
(7) فى الأصل: مندو طبولها وهو تصحيف.