يعني بذلك: استسلمت لطاعته الأرض والمزن {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في الآخرة بالخلود في النار، أمَّا في الدنيا، فالمؤمنون أشدُّ خوفًا وحزنًا من غيرهم من أجل خوفهم من العاقبة، فإنَّهم يخافون من أن يصيبهم الشدائد، والأهوال العظام قُدَّامَهَم، ويحزنون على ما فاتهم من الأعمال، والطاعات، المؤدِّية إلى الفوز بأنواع السعادات، فإنَّ المؤمن، كما لا يقنط من رحمة الله، لا يأمن من غضبه وعقابه، كما قيل: لا يجتمع خوفان ولا أمنان، فمن خاف في الدنيا أمن في الآخرة حين يخاف الكفار من العقاب، ويحزن المقصرون على تضييع العمر، وتفويت الثواب، فإنَّ الخوف إنّما يكون مما يتوقَّع في المستقبل، كما أنَّ الحزن على ما وقع سابقًا، ومن أَمِنَ في الدنيا خاف في الآخرة ... وجمع الضمير هنا؛ اعتبارًا لمعنًى مِن {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما خلفوا في الدنيا، والمعنى: أي: إنّ الذين أسلموا وجوههم لله، وأحسنوا العمل، لا تُساوِرُ نفوسَهم مخاوفُ، ولا أحزانٌ، كما تختلج صدور الذين أشرب قلوبهم حبُّ الوثنية، وأعرضوا عن الهداية، إذ من طبيعة المؤمن أنّه إذا أصابه مكروهٌ بحث عن سببه، واجتهد في تلاوته، فإن لم يمكنه دفعه، فوَّض أمره إلى ربه، ولم يضطرب، ولم تهن له عزيمةٌ، علمًا منه بأنَّه قد ركن إلى القوة القادرة على دفع كُلِّ مكروه. وتوكَّل على من بيده دفع كُلِّ محظور.